بین الالتزام بأمن السعودیه، وحمایه المصالح المصریه فی البحر الأحمر، ومخاطر الانزلاق إلى حرب طویله فی الیمن، تواجه القاهره معادله استراتیجیه معقده: کیف تساند حلیفها فی المنطقه من دون أن تدفع اقتصادها وجیشها ثمن مواجهه مفتوحه یصعب التنبؤ بنهایتها؟
أعاد إعلان مصر، الأحد ۱۸ أکتوبر/تشرین الأول ۲۰۲۶، استعدادها لتقدیم «کل الدعم الضروری والممکن» للمملکه العربیه السعودیه للدفاع عن أمنها واستقرارها، تسلیط الضوء على طبیعه الدور الذی یمکن أن تلعبه القاهره فی مواجهه التهدیدات التی تطاول المملکه وممرات الملاحه فی البحر الأحمر.
فالقرار، لا یتعلق بمجرد تضامن سیاسی مع الریاض، وإنما یفتح باب التساؤلات بشأن حدود الدعم المصری، وما إذا کان سیقتصر على التعاون الدفاعی والأمنی والبحری، أم یمکن أن یتطور إلى مشارکه عسکریه مباشره فی مواجهه قوات أنصار الله فی الیمن.
وتکمن حساسیه الموقف فی أن مصر لیست دوله بعیده عن تداعیات هذا الصراع، فهی تمتلک مصالح استراتیجیه واقتصادیه حیویه فی البحر الأحمر، وتعتمد قناه السویس على استقرار الملاحه عبره، فضلا عن ارتباط ملایین المصریین بسوق العمل السعودیه.
لکن القاهره، التی تواجه تحدیات اقتصادیه کبیره، تدرک أیضا أن الدخول فی حرب جدیده قد یفتح جبهه من المخاطر یصعب احتواؤها، خصوصا إذا تحولت المواجهه من حمایه السعودیه والملاحه البحریه إلى محاوله حسم الصراع الیمنی عسکریا.
القاهره أمام اختبار التحالف مع الریاض
لا تستطیع مصر التعامل مع التهدیدات التی تواجه السعودیه باعتبارها شأنا خلیجیا داخلیا. فالعلاقات بین البلدین تقوم على مصالح سیاسیه واقتصادیه وأمنیه متشابکه، وأی اضطراب واسع فی المملکه قد تکون له انعکاسات مباشره على الاقتصاد المصری والاستقرار الإقلیمی.
وتکتسب السعودیه أهمیه استثنائیه بالنسبه إلى مصر، باعتبارها من أبرز الشرکاء الاقتصادیین، ووجهه رئیسیه للعماله المصریه، ومصدرا مهما للتحویلات المالیه التی تساعد الأسر المصریه وتسهم فی توفیر العمله الأجنبیه.
کما أن اتساع التهدیدات الأمنیه فی البحر الأحمر یضع المصالح المصریه والسعودیه فی دائره واحده، فالممر البحری الذی یربط المحیط الهندی بقناه السویس یمثل شریانا أساسیا للتجاره الدولیه، وأی اضطراب مستمر فیه ینعکس على حرکه السفن والتأمین البحری وتکالیف النقل.
ومن هذا المنطلق، تبدو مسانده الریاض بالنسبه إلى القاهره جزءا من حمایه مصالحها الوطنیه، ولیست مجرد استجابه لاعتبارات التحالف السیاسی. غیر أن السؤال الأهم هو: هل یمکن تحقیق هذه المصالح من خلال دعم دفاعی محسوب، أم أن التطورات قد تدفع مصر إلى المشارکه فی مواجهه عسکریه تتجاوز أهدافها الأولیه؟
ما الذی تستطیع مصر تقدیمه للسعودیه؟
إن الحدیث عن الدعم المصری المحتمل یجب أن ینطلق من التمییز بین الخیارات المتاحه والقرارات التی اتُّخذت فعلیا. فالإعلان عن الاستعداد للمساعده لا یعنی بالضروره صدور قرار بإرسال قوات قتالیه إلى الیمن. وتملک القاهره عده مسارات یمکن أن تسهم من خلالها فی تعزیز أمن السعودیه.
أولا: تعزیز الدفاع الجوی ومواجهه المسیّرات.
أظهرت التطورات الإقلیمیه أن الصواریخ والطائرات المسیّره باتت من أبرز التحدیات التی تواجه المنشآت الحیویه والمطارات والبنیه التحتیه للطاقه. ومن ثم، قد یشکل تبادل المعلومات والإنذار المبکر والتنسیق الدفاعی والتعاون الفنی مجالات مهمه للمساعده المصریه. ویتمیز هذا المسار بأنه یرکز على حمایه المنشآت والأراضی السعودیه، من دون أن یستلزم بالضروره مشارکه مصریه فی عملیات هجومیه داخل الیمن.
ثانیا: حمایه الملاحه فی البحر الأحمر.
تمثل الخبره البحریه المصریه وموقع البلاد الجغرافی عاملین مهمین فی أی ترتیبات إقلیمیه تهدف إلى حمایه السفن التجاریه وتأمین الممرات البحریه. ویمکن أن تشمل المساعده تعزیز التنسیق البحری، وتبادل المعلومات بشأن التهدیدات، والمشارکه فی مهام حمایه الملاحه وفقا للاتفاقات والترتیبات الرسمیه. لکن تأمین السفن یختلف عن خوض حرب بریه أو تنفیذ ضربات داخل الأراضی الیمنیه، فلکل مسار أهدافه ومتطلباته ومخاطره.
ثالثا: التعاون الاستخباراتی واللوجستی.
قد یتیح التنسیق الأمنی بین القاهره والریاض تحسین القدره على تقییم التهدیدات ومتابعه التطورات العسکریه، إلى جانب أشکال أخرى من التعاون الفنی والتدریب والدعم اللوجستی، وفقا لما یتفق علیه الطرفان. وفی المحصله، تستطیع مصر تقدیم دعم مؤثر من دون أن یکون إرسال قوات بریه إلى الیمن هو الخیار الأول أو الوحید.
قناه السویس.. الخاسر الأکبر من اتساع المواجهه
إذا کان أمن السعودیه یمثل أحد دوافع التحرک المصری، فإن حمایه قناه السویس تمثل أحد أهم أسبابه الاقتصادیه. فقد أدت استهداف السفن التجاریه فی البحر الأحمر منذ أواخر عام ۲۰۲۳ إلى اضطراب حرکه الملاحه، ودفع شرکات شحن دولیه إلى تحویل سفنها بعیدا عن قناه السویس والالتفاف حول رأس الرجاء الصالح.
وأدى ذلک إلى خسائر کبیره فی إیرادات القناه، التی تمثل موردا مهما للعمله الأجنبیه للاقتصاد المصری.
وقد أُشیر فی التصریحات والتقاریر المتداوله إلى خسائر تُقدَّر بنحو ۱۱ ملیار دولار منذ بدء الهجمات، وهی حصیله ینبغی ربطها بالفتره المحدده ومصدر البیانات عند النشر.
وتکشف هذه التطورات عن مفارقه استراتیجیه: فالقاهره قد تحتاج إلى مسانده الجهود الرامیه إلى احتواء التهدیدات فی البحر الأحمر، لکنها قد تتضرر اقتصادیا إذا أدت مشارکتها العسکریه إلى توسیع دائره المواجهه.
فکلما ارتفعت المخاطر الأمنیه، ازدادت احتمالات تغییر مسارات السفن وارتفاع تکالیف التأمین، الأمر الذی قد یؤخر عوده حرکه الملاحه إلى مستویاتها الطبیعیه.
ومن هنا، فإن حمایه قناه السویس لا تتحقق بالقوه العسکریه وحدها، بل تتطلب أیضا توفیر بیئه أمنیه مستقره، واستعاده ثقه شرکات الشحن، ومنع تحول البحر الأحمر إلى ساحه صراع مفتوح.
فاتوره الحرب.. هل یتحمل الاقتصاد المصری جبهه جدیده؟
تأتی هذه الحسابات فی وقت تواجه فیه مصر تحدیات اقتصادیه تتعلق بأعباء الدین العام، واحتیاجات التمویل، والضغوط المعیشیه، وتوفیر العمله الأجنبیه.
وفی مثل هذه الظروف، فإن أی تدخل عسکری طویل الأمد قد یفرض تکالیف إضافیه على الموازنه العامه، تشمل تشغیل القوات، والصیانه، والإمدادات، والنقل، والتعویضات، وتأمین المصالح المصریه.
ولا تتوقف الکلفه عند الإنفاق العسکری المباشر، إذ قد یؤدی اتساع الصراع إلى زیاده الضغوط على قطاعات أخرى، وفی مقدمتها السیاحه والتجاره والنقل البحری والاستثمار.
فالسیاحه المصریه، بما فیها المنتجعات المطله على البحر الأحمر، تتأثر بدرجه الاستقرار الإقلیمی وبالصوره الأمنیه التی تتشکل لدى الزوار وشرکات السیاحه.
وقد تؤدی زیاده التوترات إلى إرجاء بعض الحجوزات أو ارتفاع تکالیف التأمین، حتى من دون وقوع هجمات مباشره داخل مصر. کما أن أی اضطراب إضافی فی الملاحه قد یزید الضغط على احتیاجات البلاد من النقد الأجنبی.
وقد تخفف المساعدات المالیه أو العسکریه التی یقدمها الحلفاء بعض الأعباء، لکنها لا تضمن تعویض جمیع الخسائر، ولا تلغی المخاطر المترتبه على حرب طویله أو غیر محدده الأهداف.
لهذا، فإن القرار المصری لا یمکن أن یُقاس فقط بمدى القدره على المشارکه عسکریا، بل أیضا بمدى تناسب النتائج المتوقعه مع الکلفه الاقتصادیه والسیاسیه.
الیمن.. درس التاریخ الذی لا یمکن تجاهله
تفرض الذاکره التاریخیه نفسها على أی نقاش بشأن تدخل مصری جدید فی الیمن. ففی ستینیات القرن الماضی، شارکت القوات المصریه فی الحرب الأهلیه الیمنیه دعما للجمهوریین، وخاضت عملیات عسکریه مکلفه فی بیئه جغرافیه وسیاسیه معقده.
ولا تتطابق الظروف الحالیه مع ظروف تلک الحرب، کما أن طبیعه التهدیدات والتکنولوجیا العسکریه والتحالفات الإقلیمیه تغیرت بصوره کبیره. لکن التجربه تظل تذکیرا بأن التفوق العسکری لا یکفی وحده لضمان تحقیق الأهداف السیاسیه فی الیمن.
فالتضاریس الجبلیه الوعره، وتعقیدات المجتمع المحلی، وتعدد القوى المسلحه، وتشابک المصالح الإقلیمیه، تجعل أی محاوله لفرض حسم عسکری شامل مهمه شدیده الصعوبه.
وقد تستطیع العملیات العسکریه إضعاف قدرات جماعه مسلحه أو استعاده السیطره على مناطق محدده، لکن منع الهجمات الصاروخیه والمسیّره بصوره دائمه یتطلب أکثر من التفوق الجوی أو البحری. کما أن تحقیق انتصار عسکری لا یضمن بالضروره نشوء استقرار سیاسی مستدام.
ولهذا، فإن تکرار تجربه التدخل الواسع من دون أهداف محدده وخطه واضحه للخروج من الحرب قد یعرض مصر لاستنزاف طویل، من دون ضمان إنهاء التهدیدات التی دفعتها إلى المشارکه.
هل تستطیع حرکه أنصار الله تهدید الأراضی المصریه؟
یمثل احتمال الرد الانتقامی أحد المخاطر التی ینبغی أن تدخل فی حسابات القاهره، خصوصا إذا تحولت المشارکه المصریه من دعم دفاعی إلى عملیات قتالیه مباشره.
وقد أثبتت هجمات حرکه أنصار الله خلال السنوات الماضیه أن الجماعه قادره على تهدید الملاحه البحریه واستخدام الصواریخ والطائرات المسیّره ضد أهداف بعیده عن خطوط القتال التقلیدیه.
لذا فإن اتساع المواجهه قد یزید المخاطر على السفن والمصالح التجاریه المصریه فی البحر الأحمر، وقد یفرض تعزیز إجراءات حمایه المنشآت الحیویه ورفع مستوى الجاهزیه الدفاعیه.
والأهم أن المخاطر قد تتجاوز الهجمات المباشره، فتعطیل الملاحه أو رفع تکالیف التأمین أو تخویف شرکات الشحن قد یحقق آثارا اقتصادیه واسعه من دون الحاجه إلى توجیه ضربه داخل الأراضی المصریه.
هل تخسر مصر دور الوسیط إذا دخلت الحرب؟
لطالما احتفظت الدبلوماسیه المصریه بمساحه للتحرک بین أطراف إقلیمیه مختلفه، مستفیده من علاقاتها العربیه ومکانتها السیاسیه وخبرتها فی إداره الأزمات.
لکن المشارکه العسکریه المباشره فی الیمن قد تضیق هذه المساحه، وتحوّل القاهره من طرف یسعى إلى احتواء التصعید إلى طرف من أطراف الصراع.
ولا یعنی ذلک أن تقدیم الدعم للسعودیه یتعارض بالضروره مع الوساطه، إذ یمکن لمصر أن تجمع بین التعاون الدفاعی والدبلوماسیه إذا کانت طبیعه مشارکتها محدوده وواضحه الأهداف.
لکن کلما توسعت العملیات العسکریه، ازدادت صعوبه الفصل بین الالتزامات الأمنیه ومتطلبات التفاوض، خصوصا إذا أصبحت القاهره طرفا مباشرا فی استهداف رجال أنصار الله.
ومن هنا، تبدو الدبلوماسیه بالنسبه إلى مصر أداه لحمایه المصالح، ولیست بدیلا عن القوه العسکریه فحسب. فقد یکون احتواء الأزمه سیاسیا أقل کلفه وأکثر استدامه من محاوله حسمها بالقوه.
ثلاثه سیناریوهات لمستقبل الدور المصری
فی ضوء هذه المعطیات، یمکن تصور ثلاثه مسارات رئیسیه للتحرک المصری.
السیناریو الأول: الدعم الدفاعی والسیاسی.
وهو المسار الذی یسمح للقاهره بمسانده الریاض عبر التعاون الأمنی والاستخباراتی، وتعزیز الدفاعات، وتنسیق الجهود البحریه والدبلوماسیه. ویحد هذا الخیار من مخاطر الانخراط فی حرب مباشره، مع الحفاظ على التضامن مع السعودیه.
السیناریو الثانی: مشارکه عسکریه محدوده.
قد یتضمن هذا المسار مهام بحریه أو لوجستیه أو دفاعیه محدده، ضمن ترتیبات متفق علیها، إذا رأت القاهره أن التهدیدات تستدعی توسیع نطاق المساعده. ویظل نجاحه مرتبطا بوضوح المهمه والمده والضمانات اللازمه لتجنب التصعید.
السیناریو الثالث: التدخل القتالی المباشر.
وهو الأکثر کلفه ومخاطره، خصوصا إذا تطور إلى عملیات واسعه داخل الیمن أو محاوله إنهاء القدرات العسکریه لأنصار الله بصوره شامله. وقد یرفع هذا المسار احتمالات الرد الانتقامی، ویزید الضغط على الاقتصاد المصری، ویضعف فرص الوساطه السیاسیه. ولا یمکن الجزم بأی من هذه السیناریوهات قبل صدور قرارات رسمیه توضح طبیعه المشارکه المصریه وحدودها.
الخلاصه: دعم السعودیه لا یستلزم خوض حرب مفتوحه
تقف مصر أمام معادله دقیقه: فهی معنیه بأمن السعودیه واستقرار البحر الأحمر، لکنها مطالبه أیضا بحمایه اقتصادها وقواتها ومصادر دخلها القومی من تداعیات حرب جدیده. ولا یتمثل التحدی فی الاختیار بین مسانده الریاض والتخلی عنها، بل فی تحدید شکل المسانده الأکثر فاعلیه والأقل کلفه، بما یحقق أهدافا أمنیه واضحه من دون الانزلاق إلى مواجهه مفتوحه.
فالتعاون الدفاعی وحمایه الملاحه وتبادل المعلومات والتحرک الدبلوماسی یمکن أن تشکل عناصر أساسیه فی استراتیجیه مصریه متوازنه. أما التدخل القتالی الواسع، فینبغی أن یخضع لحسابات دقیقه تتعلق بالأهداف والمده والکلفه واحتمالات التصعید.
إن أمن السعودیه ومصالح مصر فی البحر الأحمر لیسا هدفین متعارضین، لکن تحقیقهما لا یتطلب بالضروره توسیع الحرب.
وقد یکون الاختبار الحقیقی لقدره القاهره على حمایه مصالحها هو نجاحها فی مسانده حلیفها، مع تجنب تکرار تجارب الاستنزاف التی أثبت التاریخ أن کلفتها قد تتجاوز بکثیر ما کان متوقعاً عند بدایه التدخل.
ففی الحروب الإقلیمیه، لا تکمن الحکمه فی إثبات القدره على الدخول إلى المعرکه فحسب، بل فی معرفه کیف یمکن تحقیق الأهداف من دون الوقوع فی حرب بلا نهایه واضحه.

