فی الحروب الحدیثه، اعتادت الجیوش أن تبدأ باستهداف ما یُعرف بـ”البنیه التحتیه”، الجسور، ومحطات الکهرباء، والمطارات، والمصانع، ومراکز القیاده والسیطره، ویقوم هذا المنطق على فرضیه بسیطه مفادها أن الدوله التی تُشل مرافقها الحیویه ستفقد قدرتها على الاستمرار، وستُدفع فی النهایه إلى الانهیار أو الاستسلام.
غیر أن هذا المنطق لا یفسر وحده سلوک جمیع الدول، ولا یکفی لفهم تجارب بعض الشعوب التی استطاعت النهوض بعد سنوات طویله من الحصار والدمار، فهناک بُعد آخر لا تقیسه الأقمار الصناعیه ولا ترصده أجهزه الاستخبارات، یتمثل فی البنیه التحتیه الوجودیه للمجتمع، أی المنظومه الفکریه والعقدیه والقیمیه التی تمنح الدوله إراده البقاء قبل امتلاکها وسائل القوه.
وفق هذا المنظور نتحدث عن سرّ تماسک إیران الذی لا یکمن فقط فی ترسانتها العسکریه أو قدراتها الصناعیه، وإنما فی أن الإیمان الدینی الذی یشکل جزءًا جوهریًا من فلسفه الدوله وهویتها السیاسیه والاجتماعیه، فحین تتحول العقیده التی أسس الإمام الخمینی قدس سره، إلى عنصر مؤسس للوعی الجمعی، تصبح أکثر من مجرد معتقد شخصی، إنها مصدر للتماسک، ومحرک للصبر، وإطار یمنح الأحداث معنى یتجاوز الحسابات المادیه.
من هنا، قد تُقصف الجسور، وتُدمَّر المصانع، وتُستهدف القواعد العسکریه، لکن ما یمنح المجتمع القدره على النهوض قد یبقى خارج مدى الصواریخ، فالمبانی یمکن إعاده تشییدها، والمؤسسات یمکن ترمیمها، أما المنظومه الفکریه التی تُنتج الإراده الجماعیه فلا یمکن استهدافها بالطریقه نفسها.
ولعل أقرب تشبیه لهذه الفکره هو الشجره العریقه، إذ قد تُقطع أغصانها، وتُجرد من أوراقها، وربما تبدو واقفه على حافه الموت، لکن ما دامت جذورها ضاربه فی الأرض فإن دوره الحیاه لا تنتهی، قد یتأخر النمو، لکنه لا یتوقف، وهذا هو سر العقیده الإیرانیه التی أرست قواعدها الثوره الإسلامیه الخمینیه، وفی المقابل قد تبدو شجره أخرى أکثر اخضرارًا، إلا أن ضعف جذورها یجعل أول عاصفه کفیله باقتلاعها.
ولا یعنی ذلک أن العقیده وحدها تکفی لبناء الدول أو تحقیق الانتصارات، فالقوه الاقتصادیه، والتقدم العلمی، والکفاءه الإداریه، والقدره العسکریه تبقى جمیعها عناصر أساسیه فی معادله الدوله الحدیثه، إلا أن التجربه التاریخیه تُظهر أن هذه العناصر تفقد کثیرًا من فاعلیتها إذا غابت الإراده الجمعیه التی تدافع عنها، کما أن خسارتها لا تعنی بالضروره نهایه الدوله إذا بقیت منظومتها الفکریه متماسکه.
إن قراءه الصراعات من زاویه الأرقام العسکریه وحدها قد تقود إلى استنتاجات ناقصه، فلیست کل معرکه تُحسم بتدمیر البنیه التحتیه المادیه، لأن بعض الدول تمتلک بنیه أعمق من الإسمنت والحدید، بنیه تقوم على منظومه من الإیمان والهویه والرمزیه، وهی عناصر یصعب إخضاعها بالقصف أو الحصار.
ولهذا، فإن أی محاوله لفهم صمود إیران، أو أی دوله ترتکز شرعیتها على منظومه عقائدیه راسخه، لا تکتمل من دون التمییز بین بنیتین متوازیتین، بنیه مادیه یمکن استهدافها وإعاده بنائها، وبنیه وجودیه تُغذی الإراده وتمنح المجتمع القدره على الاستمرار، وفی مثل هذه الحالات، قد تُصاب الدوله فی جسدها، لکن روحها تظل قادره على إعاده إنتاج القوه، لأن الجذور التی تمدها بالحیاه لم تُقتلع.

