وفی هذا السیاق، شکّل إعلان القوات المسلحه الیمنیه فی ۲۰ یولیو/تموز ۲۰۲۶ فرض حظر ملاحی على السفن المرتبطه بالسعودیه تحولًا لافتًا فی طبیعه “الصراع”، إذ نقل مفهوم “الحصار بالحصار” من نطاقه السیاسی والعسکری إلى المجال البحری والاقتصادی.
هذا التطور یعکس، من منظور تحلیلی، انتقالًا من سیاسه الردع القائمه على استهداف القدرات العسکریه إلى محاوله التأثیر فی المصالح الاقتصادیه والتجاریه، بما یفتح الباب أمام مرحله جدیده من إداره “الصراع” تعتمد على أدوات الضغط غیر التقلیدیه.
البحر الأحمر… من ممر تجاری إلى ورقه ضغط استراتیجیه
یمثل البحر الأحمر أحد أهم الممرات البحریه فی العالم، ویرتبط بأمن الطاقه والتجاره الدولیه عبر مضیق باب المندب وقناه السویس. ولذلک فإن أی اضطراب فی حرکه الملاحه لا یقتصر أثره على أطراف النزاع، بل یمتد إلى الأسواق العالمیه وشرکات الشحن وأسعار التأمین والنقل.
ومن هذا المنطلق، فإن إدخال البحر الأحمر فی معادلات الردع یوسع نطاق التأثیر المحتمل للصراع، ویمنحه أبعادًا إقلیمیه ودولیه تتجاوز ساحته المباشره.
الموانئ السعودیه… مرکز الثقل الاقتصادی
تستند أهمیه القرار إلى المکانه الاقتصادیه للموانئ السعودیه المطله على البحر الأحمر.
فمیناء جده الإسلامی یُعد البوابه التجاریه الرئیسیه للمملکه، بینما یمثل میناء الملک “عبدالله” فی رابغ أحد أکبر مشاریع النقل والخدمات اللوجستیه الحدیثه. أما میناء
الملک فهد الصناعی فی ینبع فیؤدی دورًا محوریًا فی تصدیر النفط والمنتجات البترولیه، ویمنح السعودیه منفذًا استراتیجیًا إلى البحر الأحمر بعیدًا عن مضیق هرمز.
کما تکتسب موانئ جازان وضباء ونیوم أهمیه إضافیه لارتباطها بالمشروعات الاقتصادیه والتنمویه الکبرى، ما یجعل أی اضطراب فی عملها ذا انعکاسات تتجاوز الجانب اللوجستی إلى خطط الاستثمار والتنمیه.
من الردع العسکری إلى الردع الاقتصادی
خلال السنوات الماضیه، ارتبط مفهوم الردع فی الصراع الیمنی باستخدام الصواریخ والطائرات المسیّره ضد أهداف عسکریه أو بنى تحتیه.
أما التطور الأخیر فیشیر إلى انتقال الترکیز نحو أدوات الضغط الاقتصادی، عبر التأثیر فی الملاحه البحریه وسلاسل الإمداد والتجاره. ویعکس ذلک توسع مفهوم الردع لیشمل المصالح الاقتصادیه باعتبارها عنصرًا مؤثرًا فی حسابات الصراع.
وتقوم هذه المقاربه على أن الاقتصاد أصبح جزءًا أساسیًا من میزان القوه، وأن التأثیر فی حرکه التجاره قد یکون، فی بعض الحالات، ذا أثر استراتیجی لا یقل أهمیه عن العملیات العسکریه التقلیدیه.
تداعیات محتمله على الاقتصاد الإقلیمی والعالمی
إذا اتسع نطاق التوتر فی البحر الأحمر، فقد تظهر مجموعه من التداعیات المحتمله، من أبرزها:
ارتفاع تکالیف التأمین على السفن.
زیاده کلفه الشحن البحری نتیجه تغییر مسارات الملاحه.
اضطراب نسبی فی أسواق الطاقه إذا تأثرت حرکه صادرات النفط.
ارتفاع تکالیف الواردات بالنسبه للدول المعتمده على هذا الممر البحری.
زیاده حاله عدم الیقین لدى المستثمرین فی المنطقه.
ومع ذلک، فإن حجم هذه الآثار سیظل مرتبطًا بدرجه التصعید الفعلی، ومدته، وطبیعه الإجراءات التی تُتخذ على الأرض، ولا یمکن الجزم بحدوث سیناریوهات اقتصادیه بعینها مسبقًا.
هل تتغیر قواعد الاشتباک؟
أحد أهم أبعاد هذا التطور أنه یعکس تحولًا فی طبیعه إداره الصراع، بحیث لم تعد أدوات القوه تقتصر على المیدان العسکری، بل امتدت إلى الاقتصاد والملاحه البحریه.
ویشیر ذلک إلى أن البحر الأحمر لم یعد مجرد ممر تجاری، بل أصبح عنصرًا حاضرًا فی حسابات الردع الإقلیمی، بما یفرض على مختلف الأطراف مراعاه الأبعاد الاقتصادیه إلى جانب الاعتبارات العسکریه.
خاتمه:
تکشف التطورات الأخیره عن مرحله جدیده فی “الصراع الیمنی–السعودی”، تتداخل فیها الاعتبارات العسکریه مع المصالح الاقتصادیه وحرکه التجاره الدولیه. وإذا کان مفهوم الحصار بالحصار یعبر عن رؤیه أحد أطراف النزاع لکیفیه ممارسه الضغط، فإن تأثیره الفعلی سیظل رهینًا بتطورات المیدان وردود الفعل الإقلیمیه والدولیه.
وفی جمیع الأحوال، فإن إدخال البحر الأحمر فی معادلات الصراع یؤکد أن أمن الملاحه أصبح جزءًا من التوازنات الاستراتیجیه فی المنطقه، وأن أی تصعید مستقبلی ستکون له آثار تتجاوز حدود أطراف النزاع، لتطال الاقتصاد الإقلیمی وحرکه التجاره العالمیه.
بقلم الإعلامیه والکاتبه والباحثه السیاسیه: جمانه کرم عیاد.

