مقدمه: عندما تصبح الحرب لغهً لإعاده کتابه التاریخ
فی التاریخ، هناک حروب تُخاض من أجل أرض، وحروب تُخاض من أجل ثروه، وحروب تُخاض انتقاماً أو دفاعاً عن الحدود. لکن هناک نوعاً آخر من الحروب، هو الأخطر والأعمق أثراً، لا یکون هدفه احتلال مدینه أو إسقاط نظام فحسب، بل إعاده تعریف النظام الذی یحکم العالم بأسره.
إن ما یجری الیوم فی الشرق الأوسط لا یمکن فهمه من خلال عدسه الصواریخ والطائرات وحدها، ولا من خلال عدد الغارات أو حجم الدمار أو خرائط السیطره العسکریه. فهذه کلها مظاهر سطحیه لمعرکه أعمق تدور فی طبقات السیاسه والاستراتیجیه والفلسفه. إنها معرکه على سؤال واحد: من یملک حق کتابه خرائط الشرق الأوسط فی القرن الحادی والعشرین؟
لقد اعتادت الولایات المتحده، منذ انهیار الاتحاد السوفییتی، أن تتصرف بوصفها القوه الوحیده القادره على رسم حدود النفوذ، وتحدید من یحکم ومن یسقط، ومن یُکافأ ومن یُعاقب. وکانت الحروب التی خاضتها، من العراق إلى أفغانستان، ومن البلقان إلى لیبیا، تعبیراً عن هذه الفلسفه: فلسفه القطب الواحد الذی یحتکر تعریف النظام الدولی.
غیر أن العالم تغیّر. لم تعد واشنطن تواجه دولاً ضعیفه معزوله، بل محوراً یمتد من آسیا إلى البحر المتوسط، وقوى دولیه کبرى ترى أن استمرار الهیمنه الأمریکیه یعنی استمرار تراجعها هی. ومن هنا، لم تعد الحرب على إیران حرباً على البرنامج النووی فقط، کما لم تکن الحرب فی أوکرانیا حرباً على حدود دوله أوروبیه فحسب، بل أصبح الصراع یدور حول سؤال أکبر: هل یبقى العالم خاضعاً لمرکز واحد، أم یدخل مرحله التوازنات الجدیده؟
ولهذا السبب، فإن من یظن أن الحرب الحالیه بدأت مع أول صاروخ، أو أنها ستنتهی مع آخر صاروخ، یقرأ الأحداث بعین العسکری، لا بعین الفیلسوف السیاسی. فالحروب الکبرى لا تبدأ یوم تُطلق الرصاصه الأولى، بل یوم تتغیر موازین القوى التی تجعل الرصاصه ممکنه. وهی لا تنتهی عندما یصمت السلاح، بل عندما یعترف الجمیع بأن میزان القوه تغیّر.
إن الشرق الأوسط یقف الیوم أمام لحظه تاریخیه تشبه إلى حد بعید اللحظات التی أعقبت الحربین العالمیتین، حین لم تکن المعارک مجرد مواجهات بین جیوش، بل کانت مفاوضات دامیه حول شکل العالم الجدید. ولذلک فإن السؤال الحقیقی لیس: من سینتصر عسکریاً؟ بل: أی نظام إقلیمی ودولی سیولد من رحم هذه الحرب؟
هذا هو السؤال الذی یجعل من الخلیج الفارسی، ومضیق هرمز، وباب المندب، والبحر الأحمر، ولبنان، والعراق، وسوریا، وفلسطین، حلقات فی سلسله واحده، لا أزمات منفصله. فما یبدو الیوم صراعاً على منشأه نوویه، أو على سفینه تجاریه، أو على قاعده عسکریه، قد یکون فی الحقیقه جزءاً من معرکه على مستقبل النظام العالمی نفسه.
ولعل المفارقه الکبرى أن القوى التی تدخل الحرب وهی تعتقد أنها تتحکم بمسارها، تکتشف بعد أشهر أو سنوات أن الحرب أصبحت هی التی تتحکم بها. فالتاریخ ملیء بإمبراطوریات أشعلت ناراً صغیره ظناً منها أنها ستنیر طریقها، فإذا بها تتحول إلى حریق یلتهم خرائطها ونفوذها معاً.
ومن هنا، فإن قراءه هذه الحرب لا تحتاج إلى محلل عسکری بقدر ما تحتاج إلى قراءه فلسفیه ترى ما وراء الدخان، وتدرک أن الطائرات لا تقصف المدن فقط، بل تقصف الأفکار القدیمه، وأن الصواریخ لا تسقط على المنشآت وحدها، بل قد تسقط معها معادلات سیاسیه حکمت العالم لعقود.
إننا، بکل بساطه، أمام لحظه انتقال تاریخی، قد لا تُحسم فی أسبوع أو شهر، وربما لا فی سنه، لکنها ستحدد شکل الشرق الأوسط لعقود مقبله، وستجیب عن سؤال ستدرسه الأجیال القادمه: من الذی کتب خرائط الشرق الأوسط الجدید؟
الفصل الأول
الحرب التی بدأت قبل أن تُطلق الرصاصه الأولى
یظن کثیرون أن الحرب تبدأ عندما تقلع الطائرات، أو عندما تنطلق الصواریخ، أو عندما تعلن الحکومات حاله الطوارئ. لکن هذه لیست سوى اللحظه التی یصبح فیها الصراع مرئیاً. أما الحرب الحقیقیه، فهی تبدأ قبل ذلک بسنوات، حین تتغیر موازین القوى، وتتصادم المشاریع، ویصبح التعایش بین رؤیتین متناقضتین للعالم أمراً مستحیلاً.
وهذا تماماً ما حدث فی الشرق الأوسط.
فالمنطقه لم تصل إلى هذه المواجهه بسبب حادثه عسکریه عابره، ولا بسبب ملف نووی معزول، بل لأن مشروعین کبیرین وصلا إلى نقطه لم یعد ممکناً أن یتقدما معاً.
المشروع الأول تقوده الولایات المتحده، ویقوم على تثبیت شرق أوسط جدید تکون إسرائیل فیه المرکز الأمنی والعسکری والاقتصادی، وتندمج فیه الدول العربیه عبر اتفاقیات أبراهام، بحیث تتحول العلاقه مع تل أبیب من حاله استثنائیه إلى قاعده دائمه. وفی هذه الرؤیه، یصبح الخلیج الفارسی شریکاً استراتیجیاً لإسرائیل، وتُربط منظومات الدفاع الجوی، والاقتصاد، والطاقه، والتکنولوجیا، فی شبکه واحده تقودها واشنطن.
لکن هذا المشروع کان یصطدم دائماً بعقبه اسمها إیران.
فالجمهوریه الإسلامیه لا تعارض مجرد تطبیع العلاقات مع “إسرائیل”، بل تعارض الفلسفه التی یقوم علیها المشروع بأکمله، لأنها ترى فیه محاوله لإعاده إنتاج الهیمنه الأمریکیه على المنطقه، وتحویل “إسرائیل” إلى القوه المرکزیه التی تُدار من خلالها ملفات الأمن والسیاسه والاقتصاد.
ومن هنا، لم یکن الخلاف على أجهزه الطرد المرکزی فقط، ولا على نسبه تخصیب الیورانیوم، بل على سؤال أعمق: من یملک حق رسم التوازنات فی الشرق الأوسط؟
لقد کانت إیران تدرک أن أی تراجع کبیر فی هذا الملف لن یتوقف عند حدود النووی، بل سیفتح الباب أمام مطالب تتعلق بالصواریخ البالیستیه، والقدرات الدفاعیه، ودورها الإقلیمی، وعلاقاتها بقوى المقاومه، وحتى بطبیعه نظامها السیاسی.
وفی المقابل، کانت واشنطن تدرک أن بقاء إیران قوه إقلیمیه مستقله یعنی أن مشروع الشرق الأوسط الجدید سیظل ناقصاً.
وهکذا، بدأت الحرب السیاسیه قبل أن تبدأ الحرب العسکریه، وبدأ الصراع على الخرائط قبل أن یبدأ الصراع على المیدان.
یتبع فی الفصل الثانی: “من أوکرانیا إلى هرمز… لماذا أصبحت الجبهات کلها حرباً واحده؟“

