وأفادت “إرنا”، بأن تصریح “بقائی” جاء خلال فعالیه “مواجهه أمریکا؛ الأمس والیوم والغد”، أن واشنطن اتبعت نهجا عدائیا تجاه إیران، بدءا من الهجوم الإرهابی على الطائره المدنیه الإیرانیه وفرض العقوبات المشدده، وصولا إلى المخططات التی وُضعت خلال عهد جورج بوش الابن، قائلا: ان إدراج إیران ضمن ما عُرف بـ”محور الشر” آنذاک کان خطوه تهدف إلى جعلها الهدف الأول للعدوان.
ولفت إلى أنهم غیّروا مسارهم لاحقا، لأسباب عده، واتجهوا نحو العراق، رغم أن الجمیع کان یدرک أن جماعات الضغط وشریحه واسعه من أرکان الإداره الأمریکیه کانت تسعى إلى جرّ الحرب إلى إیران.
اغتیال الشهید “سلیمانی” استهداف لبطل وطنی ورمز لسیاده إیران
وأوضح “بقائی” فی معرض حدیثه عن أبرز محطات العداء الأمریکی، أن اغتیال الشهید الحاج “قاسم سلیمانی” شکّل إحدى ذرى هذا النهج العدائی، مؤکدا أن هذه الجریمه لم تکن مجرد قتل أو اغتیال عادی، بل استهدافا مباشرا لبطل وطنی وإقلیمی، واعتداء على أحد أبرز رموز السیاده والاقتدار لدى جمیع الإیرانیین.
جذور المواجهه بین واشنطن وطهران تتجاوز النفط والطاقه والمصالح المادیه
وتطرق “بقائی” إلى الأبعاد الحضاریه والفکریه للعداء الأمریکی، قائلا: إنه إذا کانت مفاهیم مثل حقوق الإنسان والحریه قد استُخدمت سابقا، ولا سیما خلال حکم الدیمقراطیین، لتبریر الضغوط، فإن جذور نظرتهم إلى إیران والإیرانیین ینبغی أن تُفهم فی إطار أوسع؛ فجوهر الخلاف یتجاوز المنافسه المادیه والجیوسیاسیه البحته أو المصالح المرتبطه بقطاع الطاقه، رغم أهمیه هذه العوامل أیضا، إذ تعود المواجهه إلى رؤیتین أساسیتین مختلفتین ومتباینتین بشأن الإنسان والمجتمع وفلسفه السیاسه.
وشدد على أن فهم هذا الاختلاف البنیوی أمر بالغ الأهمیه لتحدید موقعنا فی هذه المعادله، بما یتیح لنا رسم مسار واضح للدفاع عن هویه البلاد ووحده أراضیها.
وأکد متحدث الخارجیه أن إدراک الجذور العمیقه لهذه المواجهه لا یعنی إغلاق أبواب التفاعل والحلول السیاسیه أو التخلی عن أی تحرک دبلوماسی؛ قائلا: بصفتی دبلوماسیا، أؤکد أن الدبلوماسیه أداه فاعله وضروریه، وینبغی توظیفها بذکاء، إلى جانب الأدوات الدفاعیه، فی خدمه حمایه المصالح الوطنیه.
الدبلوماسیه أداه لحمایه المصالح الوطنیه والدفاع عنها
وعن الجذور الفکریه والأساسیه للخلاف بین إیران وأمریکا، قال “بقائی”: إن الدبلوماسیه، فی هذا السیاق، أداه لحمایه المصالح الوطنیه والدفاع عنها، انطلاقا من إدراک عمیق بأن النزاع بین إیران وأمریکا لیس أمرا عابرا أو مؤقتا، وأن الشعب الإیرانی لم یکن یوما سببا فی اندلاعه أو بادئا به.
وأشار إلى أن الإیرانیین سعوا، فی محطات تاریخیه، بحسن نیه تامه، بل وحتى بهدف إقامه توازن فی مواجهه نزعات الهیمنه لدى قوى مثل بریطانیا، إلى التفاعل والتعاون، لکنهم واجهوا عملیا مواقف عدائیه.
إنکار مبدأ المساواه فی السیاده والتناقض النظری والعملی للغرب فی تأسیس الکیان الصهیونی
وأشار “بقائی” إلى تجاهل واشنطن المبادئ الدولیه المتعارف علیها؛ قائلا: إن أمریکا لا تلتزم عملیا بمبدأ المساواه فی السیاده بین الدول فی علاقاتها الخارجیه، وقد ضحّت مرارا بالحقوق الأساسیه والقواعد المتعلقه بحقوق الإنسان بسهوله من أجل مصالحها.
وأضاف أن القضیه الفلسطینیه تمثل مثالا واضحا على هذا التناقض، بینما جرى فیه الحدیث عن نظام قانونی دولی جدید منذ عام ۱۹۴۵ وتأسیس الأمم المتحده، انطلقت عملیه مناقضه تماماً لتلک المبادئ، تمثلت فی إقامه کیان یقوم أساس وجوده على إنکار حق شعب بأکمله فی تقریر مصیره، لافتا إلى أن هذه الفجوه البنیویه بین الشعارات والممارسات تکشف طبیعه السیاسه الخارجیه الأمریکیه منذ بدایتها.
أسطوره التهدید النووی الإیرانی أکبر کذبه فی القرن لتبریر الضغوط
وأکد “بقائی” أهمیه توثیق الأحداث التاریخیه للحیلوله دون تحریف الماضی ونسیانه، مشددا على أن أفضل دلیل لفهم المسار الذی قُطع خلال العقود الماضیه هو الرجوع إلى التجربه الملموسه.
وقال: خلال السنوات العشر أو الاثنتی عشره الماضیه وحدها، حوّلوا الملف النووی الإیرانی إلى أکبر ذریعه، أو بالأحرى أکبر کذبه فی القرن. وربما لم یشهد العالم خلال السبعین أو الثمانین سنه الماضیه کذبه بحجم کذبه “التهدید الإیرانی”.
واکمل ان هذه الروایه الملفقه، قد تشکلت أساسا لجمیع الضغوط والقیود المعیشیه المفروضه على الشعب الإیرانی، ورغم أنهم لم یعثروا على أی وثیقه أو دلیل یثبت أدنى انحراف للبرنامج نحو أهداف غیر سلمیه، فإنهم لم یتخلوا عن هذه الذریعه؛ بل أصبح تکرار هذه الکذبه جزءا لا یتجزأ من السیاسه الخارجیه الأمریکیه، ومرتبطا بإملاءات الکیان الصهیونی.
واستعرض متحدث الخارجیه تجربه الاتفاق النووی وانسحاب أمریکا غیر القانونی منه، قائلا: إنه تم التوصل عام ۲۰۱۵ إلى اتفاق اکتسب صفه رسمیه بموجب قرار صادر عن مجلس الأمن الدولی، وکان من المفترض أن تلتزم جمیع الدول الأعضاء به، لکن أمریکا انتهکته ببساطه عام ۲۰۱۸. وأضاف أن الجمهوریه الإسلامیه الإیرانیه التزمت الصبر الستراتیجی لمده عام کامل، لکنها بدأت خفض التزاماتها تدریجیا بعدما لم یُبدِ الأوروبیون أی إراده لتنفیذ تعهداتهم، ولم تتخذ واشنطن أی خطوه فی هذا الاتجاه.
وأکد أن مثل هذا السلوک المسؤول لا مثیل له فی أی مکان فی العالم، داعیا الذین اعتادوا تحمیل إیران المسؤولیه إلى التأمل فی هذه الوقائع التاریخیه.
وأشار إلى أن ذروه هذا المسار تمثلت فی إقدام أمریکا على نسف طاوله الحوار وشن عدوان عسکری على إیران، فی خضم المفاوضات تحدیدا؛ معتبرا أنه سلوک خارج على القانون لا یمکن تبریره بأی منطق أو أساس.
المشکله الأساسیه لأمریکا مع إیران تتجاوز نظامها السیاسی؛ فهی تستهدف إیران بوصفها مفهوما وفکره
وکشف “بقائی” عن أبعاد الخداع الأمریکی فی المحطات السیاسیه المفصلیه؛ قائلا: إن الوسیط العُمانی أعلن رسمیا قبل یومین فقط من بدء العدوان العسکری، إحراز المفاوضات تقدما ملحوظا لکن أمریکا شنت هجومها بعد ذلک بیومین لا غیر.
وأضاف أن اللافت فی الأمر هو أن الرئیس الأمریکی نشر تغریده قبل نحو ثلاثین إلى أربعین دقیقه من العدوان الذی وقع فی ۱۳ حزیران/یونیو زعم فیها أنه کلّف الحکومه بأکملها بمواصله المفاوضات.
وتابع، قائلا: إن هذا السلوک یدل إما على انعدام أی جدیه لدى الطرف المقابل فی الدبلوماسیه، أو على أن مفهومه للدبلوماسیه لا یتجاوز استخدامها أداه لفرض الإملاءات والابتزاز وإملاء الشروط؛ وهو نهج یتبعه حتى مع أقرب شرکائه، لکن الشعب الإیرانی لن یقبل به أبدا.
وأشار “بقائی” إلى أن هذه التجارب المتکرره أوصلت الشعب الإیرانی إلى قناعه راسخه بأن المشکله الأساسیه للطرف المقابل لا تتعلق بنوع النظام السیاسی، بل بإیران نفسها؛ فهم یعادون جغرافیه إیران، وإیران بوصفها “فکره” و”مفهوما” وکیانا تاریخیا یمتلک إمکانات مادیه وبشریه ومعنویه استثنائیه؛ مضیفا أن صمود الشعب الإیرانی خلال الأشهر الثمانیه الماضیه هو امتداد طبیعی لمقاومه مستمره منذ خمسه إلى ثمانیه عقود، وأوضح أن الأمریکیین هم من بدأوا هذا النزاع منذ عقد الخمسینیات من القرن الماضی، من خلال انقلاب ۱۹۵۳ ضد إیران، ولم یدخروا جهدا لإضعاف هذا البلد.
ولفت متحدث الخارجیه فی معرض مقارنته أنماط الضغوط الغربیه عبر الزمن، إلى أن نموذج العقوبات والضغوط المفروضه الیوم هو نفسه الذی أسسه البریطانیون فی عقد الخمسینیات من القرن الماضی، قبل تأمیم صناعه النفط. ففی تلک المرحله أیضا أحالوا الملف الإیرانی إلى مجلس الأمن، وحاولوا تصویر تأمیم صناعه النفط على أنه تهدید للسلم والأمن الدولیین؛ وهو السیناریو نفسه الذی کرروه بعد عقود بشأن البرنامج النووی السلمی الإیرانی.
وأکد أن الهدف النهائی من جمیع هذه الملفات المفتعله هو الحیلوله دون تطویر قدرات إیران ومنع الإیرانیین من بلوغ المکانه التی یستحقونها حضاریا فی النظام العالمی.
وختم “بقائی” تصریحاته بالتأکید أن الطرف المقابل أخفق فی کسر إراده الشعب الإیرانی؛ مشیرا إلى أن أعداء إیران لم ینجحوا حتى الآن فی احتواء البلاد، ولن یحققوا أی نجاح فی المستقبل، بفضل ما راکمته من تجارب ومقومات قوه.
وأضاف أن إیران أعادت خلال الأشهر الثمانیه الماضیه إظهار قوتها التاریخیه ورصیدها الحضاری؛ إذ صمد الشعب الإیرانی مستندا إلى عمقه المعنوی والتاریخی وإمکاناته، وتمکن من الرد على التحدیات؛ معتبرا أن هذا التلاحم الوطنی نعمه ثمینه تضمن استمرار مسیره البلاد نحو العزه والتقدم والکرامه.

