[ad_۱]
لم یکن تشییع قائد الثوره الإسلامیه مجرد طقس عزائی؛ بل تحول هذا الحدث فی فتره قصیره إلى واحد من أهم الأحداث الإعلامیه والسیاسیه فی العالم، ووجه أنظار العدید من وسائل الإعلام والمحللین والمراقبین الدولیین. إن اتساع التغطیه الإخباریه، وحضور عشرات الوسائل الإعلامیه الأجنبیه فی طهران، وتنوع الروایات التی نُشرت عن هذا الحدث، أظهر أن هذا الحدث تجاوز إطار خبر محلی، وأصبح قضیه مهمه فی مجال السیاسه والإعلام الدولیین.
واللافت أن وسائل الإعلام المختلفه، رغم خلفیاتها السیاسیه المتنوعه ونهجها المختلفه فی تغطیه المراسم، أکدت فی النهایه على عده حقائق مشترکه؛ الحضور الواسع للشعب، والنظام الملحوظ فی تنظیم المراسم، والأهمیه الإقلیمیه والدولیه لهذا الحدث، وتداعیاته على مستقبل تطورات غرب آسیا. هذه القواسم المشترکه جعلت من هذه المراسم واحده من الأحداث النادره التی اضطرت حتى وسائل الإعلام المنافسه إلى قبول جزء کبیر من حقائق المیدان فیها.
وسائل الإعلام الغربیه وقبول حقیقه لا یمکن إنکارها
غالباً ما روت وسائل الإعلام الغربیه خلال السنوات الماضیه تطورات إیران من منظور الخلافات الداخلیه أو الاحتجاجات الاجتماعیه أو الضغوط الاقتصادیه، لکن هذه المره واجهوا مشهداً لم یکن من الممکن تجاهله. إن الحضور الواسع للشعب فی شوارع طهران أجبر الروایات الإعلامیه على التکیف مع واقع المیدان.
رکزت بعض وسائل الإعلام مثل “الغاردیان” على نظام وإداره المراسم، واعتبرتها مثالاً على قدره إیران فی تنظیم تجمع ضخم. کما أشارت “رویترز”، فی معرض حدیثها عن الأبعاد السیاسیه للمراسم، إلى أنها کانت مؤشراً على استمرار التماسک الداخلی الإیرانی بعد الحرب الأخیره، واعتبرت هذا الأمر مؤثراً على مستقبل التفاعلات والمفاوضات الإقلیمیه. کما عکست وکاله “فرانس برس”، و”أسوشیتد برس”، و”یورونیوز”، و”فرانس ۲۴″، ووسائل إعلام غربیه أخرى، أبعاد هذه المراسم من زوایا مختلفه، لکن لم یتمکن أی منها تقریباً من تجاهل الحضور الواسع للشعب والأهمیه السیاسیه لهذا الحدث.
فی الواقع، کانت النتیجه الإعلامیه الأولى لهذه المراسم هی أن الروایه السائده حول عزله الجمهوریه الإسلامیه واجهت تحدیاً خطیراً. فعندما یشارک الملایین فی مراسم ما، تضطر وسائل الإعلام إلى تعدیل روایتها بناءً على الصور المتاحه، ولیس على أساس الافتراضات السیاسیه.
الروایه العربیه؛ أکثر من مجرد مراسم عزاء
فی العالم العربی أیضاً، کان لهذه المراسم صدى واسع. فبینما رکزت وسائل الإعلام الغربیه أکثر على التداعیات الداخلیه والجیوسیاسیه للمراسم، قامت الشبکات العربیه بتحلیلها فی إطار مستقبل المنطقه وتطورات محور المقاومه.
بدأت قنوات “الجزیره”، و”المیادین”، و”العربی”، و”العهد”، و”المسیره”، و”شهاب” الفلسطینیه، منذ الساعات الأولى، تغطیتها الحیه والمستمره للمراسم. وکان القاسم المشترک بین هذه الوسائل هو الترکیز على الحشود الغفیره، والأهمیه الإقلیمیه للمراسم، وارتباطها بتطورات ما بعد الحرب الأخیره. حتى وسائل الإعلام التی لها نهج مختلف تجاه إیران، لم تستطع تجاهل الأبعاد الواسعه لهذا الحدث، وجعلته واحداً من أهم أخبار الیوم فی العالم العربی.
فی روایه وسائل الإعلام العربیه، لم یکن تشییع قائد الثوره مجرد نهایه حیاه شخصیه سیاسیه، بل کان نقطه حاسمه فی مستقبل المعادلات الإقلیمیه. هذا المنظور جعل التغطیه الإعلامیه لهذه المراسم تبقى فی صداره أخبار العدید من الشبکات العربیه لعده أیام.
النظره الروسیه؛ التأکید على المقاومه والاقتدار
رکزت وسائل الإعلام الروسیه أیضاً على هذه المراسم من زاویه جیوسیاسیه. ورکزت وکالات “ریا نوفوستی”، و”تاس”، و”سبوتنیک” على الحضور الواسع للشعب، ورموز المقاومه والتماسک الوطنی، واعتبرت هذه المراسم مؤشراً على استقرار البنیه السیاسیه الإیرانیه.
یتوافق هذا النوع من الروایه مع النظره الاستراتیجیه لروسیا تجاه تطورات غرب آسیا؛ وهی نظره تعتبر استقرار إیران عاملاً مهماً فی موازین القوى الإقلیمیه.
المحللون المستقلون وکسر القوالب السائده
إلى جانب وسائل الإعلام الرسمیه، کان رد فعل المحللین والصحفیین المستقلین جدیراً بالملاحظه أیضاً. اعتبر العدید منهم الصور المنشوره من طهران أکثر من مجرد حدث إخباری، ورأوا فیها مؤشراً على رأس المال الاجتماعی والقدره على حشد الرأی العام فی إیران.
یعتقد بعض المحللین أنه إذا کان الهدف من الضغوط الخارجیه والحرب الأخیره هو إضعاف التماسک الداخلی الإیرانی، فإن صور هذه المراسم تظهر نتیجه مختلفه. فمن وجهه نظرهم، تسبب الحضور الواسع للشعب فی إعاده النظر فی العدید من التحلیلات السابقه حول مستقبل إیران.
یمکن تحلیل الصدى العالمی لهذه المراسم على ثلاثه مستویات:
أولاً، على المستوى الإعلامی، أشارت مراسم التشییع إلى الفجوه بین واقع المیدان والروایات السائده حول إیران. وسائل الإعلام التی کانت تقدم لسنوات صوره عن عزله إیران الاجتماعیه، اضطرت هذه المره إلى التحدث عن الحضور الواسع للشعب، ونظام المراسم، وأهمیتها السیاسیه.
ثانیاً، على المستوى الداخلی، تحولت هذه المراسم إلى عرض للرأسمال الاجتماعی والتماسک الوطنی. بعد الحرب الأخیره، کانت بعض الأوساط الخارجیه تتوقع أن تدخل إیران فتره من عدم الاستقرار، لکن الحضور الواسع للشعب أظهر أن المجتمع الإیرانی یمتلک قدره عالیه على إعاده إنتاج التضامن فی الظروف الحرجه.
ثالثاً، على المستوى الإقلیمی، حملت هذه المراسم رساله واضحه للفاعلین فی غرب آسیا. أظهر حضور الوفود الأجنبیه، والتغطیه الواسعه لوسائل الإعلام الإقلیمیه، واستمرار نشاط المؤسسات السیاسیه، أن هیکل الجمهوریه الإسلامیه یقوم على المؤسسات والخطاب، وأن انتقال السلطه لا یعنی خلق فراغ استراتیجی.
حرب نفسیه معکوسه
من منظور الاتصال السیاسی، کان أحد أهم تداعیات هذه المراسم هو تشکل نوع من الحرب النفسیه المعکوسه. إذا کان هدف الضغوط العسکریه والإعلامیه هو إظهار ضعف وعزله إیران، فإن الصور المنشوره من طهران نقلت روایه أخرى إلى العالم.
تسبب الحشد الهائل، ونظام المراسم، وانعکاسها الواسع فی وسائل الإعلام الدولیه، فی إعاده نظر العدید من المحللین فی مدى مرونه المجتمع الإیرانی. فی ظل هذه الظروف، تحولت المراسم نفسها إلى وسیله إعلامیه قدمت، دون الحاجه إلى دعایه رسمیه، صوره مختلفه عن الوضع الداخلی الإیرانی للعالم.
الخلاصه
أظهر الصدى العالمی لمراسم تشییع قائد الثوره الإسلامیه أن هذا الحدث لا یمکن اعتباره مجرد طقس دینی أو وطنی. إن حجم التغطیه الإعلامیه، وتنوع الروایات، واهتمام المحللین الدولیین، یشیر إلى أن هذه المراسم تحولت إلى حدث جیوسیاسی وإعلامی، حمل رسائل تتجاوز حدود إیران.
ربما کان أهم إنجاز لهذه المراسم هو أنها کشفت مره أخرى دور “الرأسمال الاجتماعی” فی معادلات القوه. فی الوقت الذی ترکز فیه العدید من التحلیلات على مکونات القوه الصلبه، أظهر هذا الحدث أن التماسک الاجتماعی، والذاکره الجماعیه، والقدره على خلق التضامن الوطنی، لا تزال من أهم عناصر القوه فی النظام الدولی. ومن هذا المنظور، فإن تشییع قائد الثوره لم یکن نهایه مرحله تاریخیه، بل بدایه مرحله جدیده فی الروایه السیاسیه والإعلامیه الإیرانیه؛ مرحله ستکون آثارها ملحوظه فی تطورات المنطقه والإدراک العالمی لإیران، فی الأشهر، وربما السنوات القادمه.
*وکاله مهر للأنباء

