لم تعد الحرب على الیمن معرکه یمکن للسعودیه أن تحدد بدایتها ونهایتها وفق حساباتها الخاصه..
فالمعادله تبدّلت، وما کان یُنظر إلیه فی بدایه المواجهه على أنه تفوق عسکری سعودی قادر على فرض شروطه، تحوّل مع الوقت إلى اختبار مفتوح لقدره الریاض على تحمّل کلفه الحرب وتداعیاتها.
الیوم، لا یقف الیمن فی موقع الطرف الذی یبحث عن مخرج بأی ثمن، بل بات یمتلک من أوراق القوه ما یسمح له بالدخول إلى أی مفاوضات مقبله من موقع مختلف تماماً. وهذه هی النقطه التی یبدو أن الریاض لم تقدّرها بالشکل الکافی عندما دخلت المواجهه.
أخطأت السعودیه فی حساباتها
نعم.. أخطأت السعودیه فی حساباتها عندما اعتقدت أن الضغط العسکری قادر وحده على تغییر المشهد الیمنی وفرض وقائع سیاسیه جدیده. فالسنوات الماضیه أظهرت أن الحرب لم تُنهِ قدره أنصار الله على المواجهه، بل دفعتهم إلى تطویر أدواتهم وتعزیز قدرتهم على التأثیر فی المعادلات الإقلیمیه.
والأخطر بالنسبه إلى الریاض أن استمرار المواجهه لا یعنی فقط استمرار الاستنزاف، بل یفتح الباب أمام تداعیات أوسع تمس أمن المملکه والخلیج (الفارسی)، خصوصاً فی ظل الحساسیه الاستراتیجیه للممرات البحریه والمنشآت النفطیه وحرکه التجاره والطاقه.
وهنا تحدیداً تکمن خطوره المعادله الجدیده: الیمن لم یعد ساحه حرب یمکن عزلها عن محیطها، بل أصبح عاملاً مؤثراً فی أمن الخلیج (الفارسی) نفسه.
فإنتصارات الیمن تعید رسم موازین المنطقه.. وان کل تقدم یحققه الیمن فی هذه المواجهه لا یُقاس فقط بحسابات المیدان، بل بما ینتجه من نتائج سیاسیه واستراتیجیه.
فحین یثبت طرف قدرته على الصمود، وعلى منع خصمه من تحقیق أهدافه، فإنه یدخل أی مفاوضات لاحقه وهو یحمل رصیداً من أوراق القوه. وهذا تحدیداً ما یجعل الانتصارات الیمنیه قادره على تغییر المعادلات، لیس فی الیمن فقط، وإنما فی العلاقه بین صنعاء والریاض، وفی الحسابات الخلیجیه والإقلیمیه عموماً.
لم یعد السؤال: ماذا ترید السعودیه من الیمن؟
بل أصبح السؤال أکثر تعقیداً: ماذا یستطیع الیمن أن یفرض على السعودیه فی أی تسویه مقبله؟
وهذا التحول بحد ذاته یمثل خساره کبیره فی الحسابات السیاسیه التی رافقت بدایه الحرب.
المشکله أن السعودیه تجد نفسها أمام خیارات کلها مکلفه.
الاستمرار فی الحرب یعنی احتمال اتساع التداعیات، فیما التراجع عنها من دون تسویه تحفظ ماء الوجه والمصالح السعودیه قد یُقرأ باعتباره إقراراً بفشل الخیارات السابقه.
أما الذهاب إلى التفاوض، فیعنی حکماً التعامل مع أنصار الله کطرف یمتلک أوراق قوه حقیقیه، ولیس کطرف یمکن إملاء الشروط علیه.
ومن هنا، فإن الریاض تبدو أمام نفق مظلم یصعب الخروج منه بسهوله. فالمسأله لم تعد مرتبطه بقرار عسکری منفرد، وإنما بمستقبل أمن المملکه، وبعلاقاتها مع دول الخلیج (الفارسی)، وبقدرتها على إداره مرحله إقلیمیه باتت أکثر تعقیداً من السابق.
الأهم أن أی مفاوضات مقبله لن تبدأ من النقطه التی توقفت عندها المفاوضات السابقه
الیمن سیدخلها بشروط مختلفه، وبأوراق قوه تراکمت خلال سنوات الحرب، وبمعادلات میدانیه وسیاسیه لا یمکن تجاهلها.
وقد یکون الوسطاء، ومن بینهم الوسیط الإیرانی، أمام مهمه شدیده التعقید: کیف یمکن الانتقال من مرحله التصعید إلى تسویه تضمن مصالح الأطراف، من دون تجاهل میزان القوى الذی أنتجته الحرب؟
وهنا لن تکون القضیه مجرد وقف لإطلاق النار، بل ستکون أمام ملفات أکبر: أمن الحدود، الملاحه فی البحر الأحمر وباب المندب، مستقبل الیمن السیاسی، العلاقات الیمنیه الخلیجیه، والضمانات التی تمنع العوده إلى الحرب مجدداً.
وبالتالی ما بعد الحرب لن یکون کما قبلها..
لقد دفعت الحرب الیمن إلى موقع مختلف تماماً. فصنعاء التی کان یُراد إخضاعها عسکریاً أصبحت طرفاً لا یمکن تجاوزه فی أی ترتیبات إقلیمیه تتعلق بأمن الخلیج (الفارسی) والبحر الأحمر.
وفی المقابل، تجد السعودیه نفسها مضطره لإعاده تقییم الکثیر من الحسابات التی بُنی علیها قرار الحرب.
لذلک، فإن المرحله المقبله قد تکون مرحله تفاوض، لکن لیس بالضروره تفاوضاً بالشروط القدیمه.
لقد تغیّر میزان القوه، وتغیّرت معه قواعد اللعبه.. وهذه نقطه بالغه الأهمیه
فالریاض تدرک أن استمرار الحرب لا یعنی بالضروره تحقیق أهدافها، وأن الیمن أثبت خلال السنوات الماضیه أنه لیس ساحه یمکن حسمها بسهوله بالقوه العسکریه.
وفی الوقت نفسه، فإن قبول وساطه إیرانیه بشکل مباشر قد یحمل کلفه سیاسیه، خصوصاً إذا ظهر وکأن الریاض اضطرت إلى الحوار نتیجه الضغط العسکری.
وهنا یصبح السؤال الحقیقی: هل تبحث الریاض عن انتصار عسکری، أم عن مخرج سیاسی یحفظ ماء الوجه ویوقف الاستنزاف؟
وهکذا، من هرمز إلى صنعاء، ومن الریاض إلى طهران، تبدو المنطقه أمام معادله واحده:
إما أن تُنتج الحرب تسویه، أو أن تنتج التسویه قبل أن تصبح الحرب أکبر من قدره الجمیع على احتوائها.

