علَّمنا التاریخ أنَّ الاحتلال لا یحتاج دائمًا إلى أن یرفع المحتلُّ عَلَمه فوق أرضک، أو أنْ یستقرَّ جندُه داخلَ حدودک. فأخطرُ احتلال ذاک الذی یتسلَّل إلى الوعی، فیجعلک ترى وطنک بعینیه، وتخاصم أبناء وطنک بمنطقه، وتخوض معارکک بالأهداف التی یریدها هو.
والاحتلال الإدراکی یعتمد على الإعلام والدعایه والتضلیل، والتحکّم فی المعلومات والسردیات، والتأثیر فی المشاعر والمواقف، وتوظیف التعلیم والثقافه ووسائل التواصل الاجتماعی، بهدف إعاده تشکیل وعی المجتمع بصوره مشوّهه تعیق قدرته على إدراک الواقع بصوره صحیحه، بما یؤثّر فی نظرته إلى ذاته وقضایاه ومصالحه، ویعید توجیه مواقفه وقراراته وفق سردیه العدوّ.
وحین یبلغ المحتلُّ من وعیک مبلغًا، یجعلک ترى عدوَّه عدوًّا لک، وابن وطنک خصمًا لک، والتخلّی عن عناصر قوّتک سبیلًا إلى نجاتک، یکون قد حقَّق ما لا تحتاج معه جیوشه إلى کثیر عناء؛ إذْ یصبح بعضُ أهل الأرض جنودًا فی معرکته، من حیث یظنّون أنَّهم یخوضون معرکتهم الوطنیه.
وهنا یتجاوز الاحتلالُ معنى السیطره على الأرض إلى السیطره على معنى الأرض؛ وفحوى الانتماء إلیها، وعلى ما نعتبره حقًّا أو خطرًا، قوهً أو ضعفًا، أمنًا أو تهدیدًا. فحینذاک تنقلب المفاهیم: تصبح المقاومه عبئًا، وقوّتها خطرًا، ومواجهه المعتدی تهوّرًا، والارتهان إلى المستبدّین عقلانیهً سیاسیه. ولا یعود الاحتلال بحاجهٍ إلى فرض إرادته علیک بالقوّه، لأنَّه یکون قد سیطر على الوعی الجمعی وخلق حالهً من الاستسلام الفکری وزرع الاقتناع بصواب روایته وانتزع منک إرادتک من الداخل، وجعلک تُنفّذ ما یرید وأنت تظنّ أنَّک تختار.
هل تلغی هذه القراءهُ معنى حق الاختلاف؟
بالطبع لا! فوحده الوطن لا یحمیها الرأی الواحدُ قطعًا. ذلک أنَّ الاختلاف دلیلُ حیاهٍ؛ حقٌّ من حقوق الشعب. إنّما السؤال: أین نضع خلافنا، ولمن نترک أمر حسمه؟
إذا نحن احتکمنا إلى الدستور والقانون والمؤسسات والحوار، بقی اختلافنا لبنانیًّا، مهما اشتدَّ. أمّا حین یصبح الخارج هو المرجع فی خلافاتنا، ویستقوی لبنانیٌّ به على لبنانیٍّ آخر، فذلک یجعل الأجنبیّ صانع القرار، أو شریکًا فی صنعه، ویغدو الداخل ساحهً للتنفیذ فقط.
وهذا یستتبع سؤالًا آخر: هل المطلوب فی سبیل ذلک أن یعیش لبنان خلف أسواره ویقطع صلته بالعالم؟ الجواب أنَّ الدول تتعاون وتختلف وتتبادل المصالح، وتطلب الدعم حین تحتاج إلیه. لکنَّ الدوله السیّده هی التی تدخل إلى العالم بإرادتها، لا التی یدخل العالم إلى قرارها من أبواب انقسامها.
فالاستعانه بالخارج فی علاقه لبنان بالعالم شیء، والاستعانه به فی علاقه اللبنانیین بعضهم ببعض شیء آخر. فی الأولى تمارس الدوله سیاستها؛ وفی الثانیه یتنازل الوطن عن بعض قراره.
ثم ما قیمه أن ینتصر فریقٌ لبنانیٌّ على فریقٍ آخر إذا خرج لبنان نفسه مهزومًا؟ وما معنى أن نربح موقعیّهً سیاسیًّه إذا خسرنا القدره على حمایه القرار الوطنی؟ وأیُّ انتصارٍ ذاک الذی یحتاج إلى إضعاف الوطن کی یتحقّق؟
إنَّ الوطن لا یکون أقوى حین یسقط فیه مکوّنٌ لحساب مکوّن، ولا حین یستقوی بعضُ أبنائه ببعض العواصم على بعضهم الآخر؛ بل حین یستطیع المختلفون فیه أن یتنافسوا دون أن یستدعوا الخارج إلى ساحته، وأن یتصارعوا سیاسیًّا دون أن یجعلوا من وطنهم ساحهً لتصفیه حساباتٍ اقلیمیه.
لذلک، لیست مواجهه الاحتلال الإدراکی فی إلغاء الاختلاف، ولا فی فرض رأیٍ واحدٍ على اللبنانیین؛ ولا فی الانزواء عن العصر، بل فی تحریر اختلافنا من التبعیه. أن نبقى أحرارًا فی آرائنا، من دون أن نکون أدواتٍ فی إراده غیرنا. أن نختلف فی الدوله والاقتصاد والسیاسه والسلاح والعلاقات الخارجیه وسائر شؤوننا، ولکن أن یبقى لبنان هو السقف الذی لا نهدمه ونحن نختلف تحته.
وهنا یکمن جوهر الاحتلال الإدراکی: أن ینجح المحتلُّ فی تغییر موقع المعرکه فی أذهاننا، فنترکه هو، وننشغل ببعضنا؛ وأن یقنعنا بأنَّ خلاصنا یمرُّ عبر إضعاف وطننا، فنفعل بأیدینا ما لم یستطع أن یفعله بقوّته. عندذاک لا یعود الاحتلال مجرّد وجودٍ فوق الأرض، بل یصبح فکرهً داخل الرأس؛ ولا یعود المحتلُّ بحاجهٍ إلى أن یقاتلنا بنفسه، لأنَّه یکون قد أقنع بعضنا بأن یقاتل بعضنا الآخر.
ومن هنا تبدأ مسؤولیتنا: أن ندافع عن أرض الوطن، نعم، ولکن أن نحرس وعیه أیضًا؛ أن نرفض أن یُعاد تعریف عدوّنا لنا، أو أن تُرسم خلافاتنا بریشهٍ غیر لبنانیه، أو أن یصبح انقسامنا طریقًا إلى ما عجز العدوان عن تحقیقه. فالأرضُ إذا احتُلّت تُستعاد، أمّا إذا احتُلَّ الوعیُ، فقد یصبحُ الإنسانُ حارسًا للقیود التی تُکبّله، ومنفّذًا بیدیه ما عجز العدوُّ عن فرضه بقوّته.
فلنختلفْ کما نشاء، ولنتنافسْ کما تقتضی الدیمقراطیه، ولکن لنبقَ نحنُ أصحابَ القرار، نحملُ لبنانَ بوعینا إلى ما یصونُ بقاءه، ویحفظُ خلاصه، ویؤمّنُ مستقبلَ أبنائه فلا نترکه یُساقُ إلى حیث یریدُ العدوّ.
حمى الله لبنان، ونجّاه من کید العدوّ، ومکر المتآمرین، وضلالهِ مسلوبی الوعی الذین یظنّون أنّهم یُحسنون صُنعًا؛ وأبقى فیه من العزّه والوعی والبصیره ما یحفظ کرامته وسیادته، ویصون وحدته، ویُبدّد أوهام الغافلین، ویُخیّب مساعی کلّ من أراد به سوءًا.

