مرّ نحو ثمانیه عقود على تأسیس منظمه الأمم المتحده بهدف حمایه وصون السلم والأمن الدولیین. وعلى مدى هذه الفتره، ظلّ العالم یتجرّع مآسی مریره ومؤلمه ناجمه عن اللاقانونیه، ودفعت البشریه تکالیف باهظه بسبب السلوکیات والمناهج الخارجه عن القانون لبعض الفاعلین، وخاصهً القوى الکبرى. لکن أبعد من کل ما عانته البشریه من مرارات وآلام فی العقود الماضیه، تکشف التطورات والاوضاع التی شهدها العالم خلال العامین الأخیرین تقریبًا، أن العالم بات مجددًا عرضه لظروف وأوضاع هشه وغیر مستقره وغیر مطمئنه تجاه المستقبل، وأن حربًا شامله وواسعه النطاق باتت تهدد شعوب العالم.
وذلک فی وقت باتت فیه البشریه، بفعل امتلاکها أسلحه أکثر فتکًا وتدمیرًا من ذی قبل، وخصوصًا الاستخدام اللاأخلاقی واللاإنسانی للذکاء الاصطناعی، أکثر قدره من أی وقت مضى على إلحاق الضرر بنفسها وبالآخرین.
إن عددًا محدودًا من الدول -لا یتجاوز عدد أصابع الید الواحده- والتی تُقدّم نفسها نموذجًا وحامیهً للقیم الإنسانیه السامیه، وجّهت، عبر لجوئها إلى أحادیه عنیفه، ضرباتها القاتله إلى الأساس الذی یقوم علیه النظام القائم على المنظمات الدولیه والقانون الدولی.
فهذه الدول استبدلت التعددیه بالأحادیه، وتنادی بها قولًا وفعلًا.
کما استبدلت الدبلوماسیه بالعنف والحرب، وتفرضهما على الدول الأخرى، خاصه منها الدول المستقله، خلافًا للمعاییر الدولیه ومناقضهً للقانون الدولی.
إن وجهه هذه الدول لیست نحو بناء نظام أکثر عدلًا فی العالم قائم على المشارکه الجماعیه، بل نحو أحادیه قائمه على القوه، أو بعباره أدق: “قانون الغاب”.
إن فرض حروب غیر مشروعه على دول مستقله، وعدم احترام مجلس الأمن الدولی، والاستخدام المفرط لهذا المجلس لفرض قرارات ولوائح ذات طابع سیاسی واللجوء إلى العنف ضد دول مستقله، والانسحاب من المنظمات والاتفاقیات الدولیه، والانتهاک الصارخ لحقوق الإنسان وتجاهلها بحق الشعوب المظلومه، واستخدام حقوق الإنسان کأداه سیاسیه لابتزاز الدول المستقله فی العالم، کل ذلک لا یقود العالم إلا نحو الفوضى والشغب والحرب وسفک الدماء.
ونتیجه هذه السلوکیات هی فقدان الدول والشعوب الثقه بالمنظمات الدولیه والقانون الدولی، ودفعها نحو السعی لامتلاک القوه الصلبه والتسلح والحصول على أسلحه تقلیدیه وغیر تقلیدیه، وباختصار: إغراق العالم فی حاله من “السلام المسلَّح”.
کما أن الاستقطاب العسکری والسیاسی، وعدم استقرار النمو الاقتصادی والتجاری العالمی، وتراجع النمو والتنمیه الاقتصادیه، وتنامی العسکره وتجاره الأسلحه، واستنزاف الموارد المادیه للدول من أجل التسلح بدلًا من التنمیه والإعمار والصحه والتعلیم والرفاه العام، هی من النتائج المدمره الأخرى للأحادیه وعسکره القوى التی قدّمت نفسها لسنوات طویله على أنها المؤسِّسه والحافظه للنظام والسلم الدولیین.
إن العالم یتجه مره أخرى نحو “التحالف من أجل الحرب” بدلًا من “التحالف من أجل السلام”.
نعم؛ تُثبت التجارب التاریخیه بعد الحرب العالمیه الثانیه أن النظام الدولی القائم لیس نظامًا عادلًا، غیر أن النظام الجدید لا یُبنى من أنقاض النظام الحالی عبر اللجوء إلى الأحادیه القائمه على القوه والسلوکیات اللاأخلاقیه واللاإنسانیه والعسکره، بل یتحقق نظام دولی عادل ومستقر عبر مسار الحوار، والاعتراف بالحقوق الطبیعیه والقانونیه للشعوب والدول الأخرى، والمشارکه الدولیه من اجل السلام والتنمیه والأمن الجماعی.
– فمن حقًا یدفع بالعالم نحو ظروف خطیره تشبه ما سبق من الحربین العالمیتین؟
– من الذی ضحّى بالتعددیه على مذبح أحادیته العنیفه؟
– من الذی یقود العالم نحو عصر من الفوضى والاضطراب بدلًا من المشارکه من أجل السلام وتهیئه ظروف أکثر عدلًا واستقرارًا؟
– من الذی یُفرغ میثاق الأمم المتحده والقانون الدولی والمعاهدات الدولیه من قیمتها ومصداقیتها؟
– من الذی حطّ من قدر حقوق الإنسان إلى مجرد أداه ضغط لتحقیق أهدافه السیاسیه التوسعیه؟
– من الذی یلجأ إلى الانتهاک الصارخ لحقوق الإنسان لتحقیق أهداف سیاسیه؟
– من الذی یدعم الإباده الجماعیه للشعوب المظلومه؟
– من الذی یعتدی وینتهک، بخرق صارخ للقانون الدولی، أمن وحدود دول أخرى أعضاء فی الأمم المتحده؟
– من الذی یلجأ إلى الإرهاب الحکومی کأسلوب اعتیادی للتخلص من معارضیه، من دول وغیر دول، على أراضی دول أخرى، بل ویعترف بذلک ویفتخر به؟
– من الذی یهدد شعوبًا أخرى بتدمیر حضارتها عبر أسالیب وهجمات عسکریه؟
إن “السلام” هبه إلهیه للبشریه، وهو الأساس الذی ینهض علیه نمو الإنسان وسموّه وتقدّم الشعوب وعیشها بسلام جنبًا إلى جنب فی المجتمع الدولی.
وفی ظل قیام فاعل دولی واحد أو أکثر، بجرأه، بانتهاک صارخ للقواعد الآمره فی القانون الدولی، وفرض الأحادیه واللجوء إلى العنف غیر المشروع ضد الدول والشعوب من أجل تحقیق أهدافه السیاسیه غیر المشروعه، فإن صمت وتقاعس بقیه أعضاء المجتمع الدولی یشجّع على اللاقانونیه ویُسهّل لا محاله الى انزلاق العالم نحو فوضى شامله.
إن الجمهوریه الإسلامیه الإیرانیه، حکومهًً وشعبًا، هی على غرار بعض دول وشعوب منطقه غرب آسیا وشمال أفریقیا وأمریکا اللاتینیه، ضحیه لخرق القانون، والانتهاک الصارخ لحقوق الإنسان، والإرهاب المنظّم، والسلوکیات والمناهج الخارجه عن القانون التی یمارسها ناقضو القانون.
إن الوقوف إلى جانب العداله ونصره الضحیه وعدم الصمت إزاء تفشی الظلم و خرق القانون و الأحادیه یُعد مصلحه عالمیه، وإلا فإن اللاقانونیه والهیمنه والفوضى ستطال أیضا الآخرین تدریجیاً.

