منذ سته أشهر، والمنطقه تعیش حاله تبدو للوهله الأولى غریبه: لا حرب تنتهی بانتصار، ولا سلام یفتح باب الاستقرار. ضربات محسوبه، تهدیدات متبادله، جولات تفاوض تتعثر ثم تعود، وتصعید یلیه هدوء مؤقت، حتى أصبح السؤال المطروح: لماذا یطول هذا المشهد؟ ومن المستفید الحقیقی من بقائه؟
الإجابه لا تکمن فی عدد الصواریخ التی أُطلقت، ولا فی حجم البیانات السیاسیه، بل فی السؤال الأعمق: من یملک ترف الوقت؟
فی بدایه المواجهه، کان الرهان الأمریکی واضحًا: إخضاع إیران عبر مزیج من القوه العسکریه والضغوط الاقتصادیه والعزله السیاسیه، ثم دفعها إلى قبول اتفاق بالشروط الأمریکیه. لکن بعد أشهر طویله، لم یتحقق أی من هذه الأهداف.
لم یسقط النظام، ولم تنهَر الدوله، ولم تتفکک مؤسساتها، ولم تُجبر طهران على التخلی عن ثوابتها الاستراتیجیه. وهذا وحده یکفی للقول إن المشروع الأمریکی لم یبلغ غایته، مهما حاولت واشنطن تجمیل المشهد إعلامیًا.
من هنا، یمکن فهم سبب عدم استعجال إیران للحسم.
فهی لا تنظر إلى الزمن باعتباره فتره انتظار، بل تعتبره جزءًا من المعرکه نفسها.
کل یوم یمر یمنحها فرصه لإعاده بناء قدراتها العسکریه والصاروخیه، وتعویض ما فُقد، وتطویر منظوماتها الدفاعیه، وتعزیز استعدادها لأی مواجهه مقبله.
وکل یوم یمر من دون أن تتمکن الولایات المتحده من فرض إرادتها، یُترجم سیاسیًا إلى تآکل فی هیبه القوه الأمریکیه التی طالما قیل إنها قادره على حسم الحروب خلال أیام أو أسابیع.
وفی المقابل، یزداد المأزق الأمریکی تعقیدًا.
فالرئیس الأمریکی یحتاج إلى إنجاز سیاسی أکثر مما یحتاج إلى حرب جدیده. حرب واسعه قد تشعل المنطقه بأسرها، وترفع أسعار الطاقه، وتهدد الاقتصاد العالمی، وتنعکس مباشره على الداخل الأمریکی. لذلک تبدو واشنطن الیوم وکأنها تبحث عن مخرج یحفظ ماء الوجه أکثر من بحثها عن مواجهه شامله لا تضمن نتائجها.
ولعل المفارقه الأکثر أهمیه أن الزمن الذی أرادت الولایات المتحده تحویله إلى أداه لاستنزاف إیران، بدأ یتحول تدریجیًا إلى عامل استنزاف لها ولحلفائها.
فحلفاء واشنطن یعیشون منذ أشهر تحت مظله القلق الدائم. الاستثمارات تتردد، وأسواق الطاقه تبقى رهینه أی تصعید، والملاحه البحریه مهدده، والإنفاق العسکری یتضخم بلا أفق واضح، فیما یبقى الاستقرار السیاسی مؤجلًا إلى إشعار آخر.
أما إیران، فعلى الرغم من العقوبات والخسائر الاقتصادیه وکلفه إعاده بناء قدراتها، فإنها تبدو مقتنعه بأن ثمن الصمود أقل بکثیر من ثمن التراجع.
وهی تراهن على أن خصومها هم الأکثر استعجالًا لإنهاء هذه المواجهه، لأن استمرارها یراکم علیهم أعباءً سیاسیه واقتصادیه وأمنیه یصعب تحملها إلى ما لا نهایه.
إن ما یجری الیوم لیس هدنه بین حربین، بل حرب استنزاف بإیقاع مختلف.
واشنطن تراهن على أن طول الأزمه سیُنهک إیران، لکن طهران تراهن على أن الأزمه نفسها ستُنهک الإراده الأمریکیه، وتُضعف قدره واشنطن على فرض شروطها، وتدفعها فی النهایه إلى القبول بتسویه أکثر توازنًا.
لقد اعتادت الولایات المتحده أن تجعل الزمن حلیفًا لمشاریعها، لکن المشهد الحالی یوحی بأن هذه المعادله بدأت تنقلب.
وفی السیاسه، کما فی الحروب، لا یکون المنتصر دائمًا هو من یمتلک القوه الأکبر، بل من یستطیع أن یحوّل الزمن إلى سلاح، ویجبر خصمه على التفاوض بعدما کان یظن أنه قادر على الإملاء.
وربما لهذا السبب تحدیدًا، لا تبدو طهران مستعجله على إنهاء هذه المواجهه: لأنها تعتقد أن عقارب الساعه، هذه المره، لا تتحرک فی الاتجاه الذی أرادته واشنطن.

