الحمد لله الذی أکرمنا على کثیرٍ ممن خلق، واختار لنا دین الإسلام، واختصنا بالنبی الأعظم والرسول الخاتم، سیدنا محمد، صلوات الله وسلامه علیه وعلى آله، وأنزل علیه کتابًا مهیمنًا ومنهاجًا أقوم، بلسان عربی مبین، فیه من الآیات والهدایه ما لا یُحصى، وتکفّل بحفظه إلى یوم الدین.
أما بعد:
فإن ما یدور فی عالمنا الیوم من أحداث تاریخیه، ومحاولات متواصله لإخضاع الشعوب، واستعباد البشریه، والتحکم بثرواتها، وإفساد حیاتها، وتغییر فطره الله التی فطر الناس علیها، یکشف بوضوح أن الصراع لم یعد مجرد نزاعٍ على أرض أو حدود، بل أصبح صراعًا على الإنسان، والکرامه، والإراده، وحق الشعوب فی امتلاک أسباب القوه والدفاع عن وجودها.
ومن هنا، فإن الدعوات الرامیه إلى سلب المقاومه سلاحها، أو تفکیک مصادر قوتها، أو تحویلها إلى طرفٍ أعزل فی مواجهه قوهٍ متفوقه، لا یمکن النظر إلیها باعتبارها مجرد ترتیبات أمنیه أو خیارات سیاسیه عابره؛ لأنها فی جوهرها تمسّ حق الإنسان فی الدفاع عن نفسه، وحق الشعوب فی حمایه وجودها، وحق المظلوم فی ألا یُسلَّم للظالم مکبّل الیدین.
السلاح لیس قطعه حدید… بل إراده حیاه
السلاح فی أیدی الشعوب المظلومه لیس مجرد قطعٍ من الحدید، ولا عتادًا حربیًا یقتنیه المقاتلون؛ بل هو، فی سیاق الدفاع المشروع، امتدادٌ لإراده الحیاه، وتجسیدٌ مادی لحق أصیل تجذّر فی الفطره الإنسانیه قبل أن تدونه المواثیق والقوانین البشریه: حق الدفاع عن الوجود، واسترداد الکرامه، ومواجهه العدوان.
ومن هنا، فإن الحدیث المتکرر عن تفکیک أسباب قوه المقاومه، ونزع سلاحها تحت مظلات السیاسه وشعارات السلام، ینبغی أن یُقرأ بوعی استراتیجی؛ لأن السلام الذی یُطلب من طرفٍ واحد أن یدفع ثمنه بالتجرد من أدوات الدفاع، بینما یحتفظ المعتدی بکل مصادر القوه، لیس سلامًا متوازنًا، وإنما قد یتحول إلى معادله لإدامه اختلال القوه.
إن تجرید المقاومه من أدوات الدفاع لا ینهی أسباب الصراع بالضروره، بل قد ینقل الصراع من مواجههٍ متکافئه نسبیًا إلى حاله استباحه یکون فیها الطرف الأضعف أکثر عرضهً للضغط والإکراه.
منطق القوه الغاشمه فی مواجهه منطق العداله
لقد تأسست القیم الإنسانیه فی أصلها الفطری على رفض القهر والاستعباد، ومقاومه تحویل الإنسان إلى کائنٍ مستباح لا یملک القدره على حمایه نفسه.
إن تجرید المظلوم من أدوات دفاعه یفرغ مفهوم الحریه من معناه العملی، ویجعل العداله رهینهً لموازین القوه، ویمنح القوه الغاشمه أفضلیهً على الحق، والإذلال أفضلیهً على العزه والاستقلال.
وتؤکد تجارب التاریخ أن المواثیق وحدها لا تکفی لحمایه الشعوب ما لم تُسند بإراده سیاسیه وشعبیه قادره على حمایتها؛ ولذلک فإن امتلاک عناصر الردع والدفاع بالنسبه إلى الشعوب الواقعه تحت العدوان لیس ترفًا، وإنما جزء من معادله البقاء السیاسی والأمنی.
والتخلی الإرادی أو القهری عن أدوات المواجهه، من دون ضمانات حقیقیه للحقوق والأمن والسیاده، قد یتحول إلى انحراف عن أبسط مقتضیات السویه الإنسانیه التی تأبى الضیم والذل، وإلى سقوطٍ یلغی کرامه المظلوم ویجعله رقمًا هامشیًا فی حسابات الأقویاء.
القرآن یربط الإیمان بالعزه والاستعداد
وعلى المستوى العقائدی والمعرفی، جاءت الرساله الإسلامیه الخاتمه لتقیم للإنسان میزانًا یقوم على العبودیه لله وحده، ورفض الظلم، ونصره الحق، والاستعداد للدفاع عن النفس والمجتمع.
وقد جاء القرآن الکریم مؤکدًا مبدأ الاستعداد والقوه فی قوله تعالى:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّهٍ﴾ [الأنفال: ۶۰].
فالآیه تؤسس لمبدأ استراتیجی بالغ الأهمیه: أن القوه لا تُطلب للعدوان، وإنما یُطلب امتلاکها لمنع العدوان وردعه وحمایه المجتمع.
وفی السیاق القرآنی ذاته، ترد توجیهات القتال فی سیاقاتها المرتبطه بالعدوان والصراع، ومنها قوله تعالى:
﴿قَاتِلُوا الَّذِینَ لَا یُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْیَوْمِ الْآخِرِ وَلَا یُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا یَدِینُونَ دِینَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِینَ أُوتُوا الْکِتَابَ حَتَّىٰ یُعْطُوا الْجِزْیَهَ عَن یَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبه: ۲۹].
وکذلک قوله سبحانه:
﴿یَا أَیُّهَا النَّبِیُّ جَاهِدِ الْکُفَّارَ وَالْمُنَافِقِینَ وَاغْلُظْ عَلَیْهِمْ﴾ [التوبه: ۷۳].
وهذه الآیات لا ینبغی اقتطاعها من سیاقاتها التاریخیه والتشریعیه، لکنها فی إطارها العام تؤکد أن الإسلام لم یؤسس لمنهج الاستسلام أمام العدوان، وإنما أسس لمجتمع یمتلک منعهً تحمی قراره وکرامته.
یا حکومات الارتهان… لا تجعلوا السلام اسمًا آخر للاستسلام
یا حکومات الارتهان والمصالح المادیه الرخیصه:
إن التخلی عن عناصر القوه، أو دفع المقاومه إلى تفکیک قدراتها دون معالجه أسباب العدوان والاحتلال، لا یصنع سلامًا مستدامًا، بل قد یصنع اختلالًا استراتیجیًا طویل الأمد.
فالسلام الحقیقی لا یبدأ بإلغاء قدره المظلوم على الدفاع عن نفسه، وإنما یبدأ بإزاله أسباب العدوان، وضمان الحقوق، ووقف الاحتلال، وصیانه السیاده، وإیجاد معادله تضمن أمن الجمیع دون تحویل طرفٍ واحد إلى رهینهٍ للطرف الآخر.
ومن هنا، فإن إلقاء السلاح أمام عدوانٍ مستمر، من دون تسویه عادله وضمانات حقیقیه، لا ینبغی تقدیمه باعتباره انتصارًا للسلام؛ لأن السلام الذی لا تحمیه العداله قد یتحول إلى غطاءٍ للاستسلام.
محمد ﷺ لم یبنِ أمهً مستباحه
لم تکن رساله النبی محمد ﷺ تعالیم جامده منفصله عن واقع الحیاه، بل کانت منهجًا متکاملًا لبناء الإنسان والمجتمع والدوله، یجمع بین الإیمان والبصیره، وبین الحق والقوه، وبین الأخلاق والمنعه.
لقد واجه النبی ﷺ العدوان، وبنى مجتمعًا قادرًا على حمایه نفسه، وأقام من القوه ما یصون القرار ویمنع الاستباحه. ولذلک فإن الاقتداء به لا یعنی استحضار الشعارات فحسب، بل یعنی استحضار قیم العزه، والصبر، والثبات، والوعی، والاستعداد، وعدم الخضوع للظلم.
ومن هذا المنطلق، فإن التخلی عن کل أسباب القوه فی مواجهه العدوان لا ینسجم مع روح المنهج الذی دعا إلى إعداد القوه، ولا مع القیم التی تجعل الإنسان حرًا من الخضوع لغیر الله.
المقاومه لیست غایه… وإنما وسیله لحمایه الحق
وهنا تکمن النقطه الاستراتیجیه الأهم: المقاومه لیست قیمهً لمجرد حمل السلاح، ولیست القوه هدفًا قائمًا بذاته؛ وإنما قیمتها فی الغایه التی تُستخدم من أجلها، وفی مدى مشروعیتها، وفی قدرتها على حمایه الإنسان والأرض والکرامه.
فالقوه بلا أخلاق قد تتحول إلى عدوان، کما أن الأخلاق بلا قدره على حمایتها قد تتحول إلى أمنیات عاجزه.
ولهذا فإن المعادله الأکثر توازنًا هی: حقٌّ تحمیه قوه، وقوهٌ تضبطها أخلاق، وسلامٌ تحمیه عداله.
أما مطالبه المظلوم بأن یتخلى عن قوته، مع إبقاء أسباب القوه فی ید المعتدی، فهی لیست وصفهً للسلام، بل وصفهٌ لإدامه اختلال میزان الردع.
نزع السلاح أم نزع القدره على الوجود؟
إن أخطر ما فی مشروع نزع سلاح المقاومه أنه قد لا یتوقف عند حدود السلاح ذاته؛ إذ إن تفکیک أدوات القوه قد یتبعه تفکیکٌ للإراده، ثم إخضاع القرار السیاسی، ثم إعاده تشکیل الوعی، ثم تحویل القضیه من قضیه حقوق ووجود إلى مجرد ملف تفاوضی یخضع لشروط الأقوى.
وهنا یصبح السؤال أکبر من: هل تُسلَّم الأسلحه أم لا؟
السؤال الحقیقی هو:
من یملک قرار الحرب والسلام؟ ومن یملک حق الدفاع عن الأرض؟ ومن یضمن ألا یعود المعتدی إلى استغلال لحظه الضعف؟ ومن یحمی الشعب إذا انهارت معادله الردع؟
هذه هی الأسئله التی یجب أن تُطرح قبل الحدیث عن نزع السلاح.
الخاتمه: لا سلام بلا عداله… ولا کرامه بلا منعه
إن خیار المقاومه، حین یکون مرتبطًا بالدفاع عن الحقوق ورفع الظلم وحمایه المجتمع، یبقى أحد عناصر معادله الصمود أمام محاولات الإخضاع والاستباحه.
والسلاح فی هذه الحاله لیس معبودًا ولا غایهً بذاته، وإنما أداه من أدوات الدفاع والردع؛ وقیمته تُقاس بالغایه التی یحملها، وبالقواعد الأخلاقیه والقانونیه التی تحکم استخدامه.
أما محاوله تجرید الشعوب المظلومه من أسباب قوتها، مع إبقاء المعتدی متفوقًا ومحصّنًا، فهی لیست نزعًا للسلاح فحسب، بل قد تکون نزعًا للقدره على حمایه الکرامه والقرار والوجود.
ولذلک فإن الرساله التی ینبغی أن تُفهم بوضوح هی:
لا سلام حقیقی مع استمرار الظلم، ولا عداله مع اختلال میزان القوه، ولا کرامه لشعبٍ یُطلب منه أن یکون أعزل أمام من یملک القدره على إخضاعه.
فالمقاومه التی تحمی الحق لیست نقیضًا للسلام؛ بل إن العداله هی الطریق إلى السلام، والمنعه إحدى ضماناته، والکرامه جوهره.
وما دام الظلم قائمًا، فإن واجب الأحرار لیس أن یطلبوا من المظلوم أن یتخلى عن أسباب صموده، بل أن یعملوا على إزاله أسباب الظلم وإقامه میزانٍ عادل یحفظ للإنسان حقه فی الحیاه والحریه والکرامه والسیاده.

