من باب المندب إلى الرویک والعَبْر والثنیه والودیعه: کفاءهُ الاستخبارات وسریهُ التوقیت واتساعُ بنک الأهداف تُحوِّل التحشیدَ إلى عبء، وتنسخُ أوهامَ السیطره، وتفتحُ فصلاً جدیداً فی معادلهٍ تقول إن الیمن لا ینتظرُ الهجومَ لیبدأ الردّ، بل یملکُ زمامَ المبادره حین تتشکلُ ملامحُ الخطر.
عاد توشکا مجدداً:
لیست کل الضربات مجرد انفجارات؛ بعضها یهزّ موقعاً، وبعضها یهزّ جبهه، أما بعضها فیصیب عقل الحرب نفسه.
هکذا تبدو العملیه العسکریه التی أعلنت عنها القوات المسلحه الیمنیه فی ۶ أغسطس ۲۰۲۶، بعد رصد تحشیدات سعودیه قالت صنعاء إنها کانت فی مراحلها النهائیه للتصعید، لتأتی الضربه على امتداد جغرافی واسع شمل الرویک والعبر والثنیه والودیعه ومعسکرات تابعه للفرقتین الأولى والثالثه طوارئ.
هنا یعود «توشکا»؛ لا بوصفه اسماً لصاروخ فحسب، وإنما باعتباره ذاکرهً عسکریهً لزمنٍ انکسر فیه وهمُ الحصانه.
عیون الیمن قبل صواریخه:
أخطر ما فی العملیه لیس حجم الانفجار، بل ما سبقه.
فبحسب الروایه الرسمیه، جرى رصد التحشیدات وهی فی مراحلها النهائیه، ثم استهدافها قبل أن تتحول إلى فعل هجومی.
وهذه هی المعادله الأهم: من یکتشف التحشید قبل اکتماله یستطیع أن یجهض المعرکه قبل أن تبدأ.
إنها رساله استخباراتیه قبل أن تکون صاروخیه: السریه فی مقابل السریه، والرصد فی مقابل التحشید، والتوقیت فی مقابل المفاجأه.
الرویک والعبر والودیعه.. عندما تصبح الجغرافیا کلها بنک أهداف.
اللافت فی العملیه اتساع رقعه الاستهداف.
فالانتقال من موقع منفرد إلى شبکه تضم الرویک والعبر والثنیه والودیعه یعنی، وفق المعطیات الرسمیه، أن المقاربه لم تعد تقوم على ضرب نقطه تکتیکیه، بل على الضغط على منظومه التحشید والإمداد والتمرکز.
وهنا تتغیر وظیفه الجغرافیا: الصحراء التی ظُن أنها مساحه آمنه للحرکه تتحول إلى مساحه مکشوفه، وخطوط الإمداد التی کانت تمنح القوه حریه المناوره تصبح جزءاً من معادله الخطر.
توشکا.. حین تتحول الذاکره إلى عقیده ردع:
فی دیسمبر ۲۰۱۵ ارتبط اسم توشکا بضربات یمنیه فی باب المندب ومأرب، وأعلنت مصادر فی حینها عن خسائر فی صفوف قوات التحالف.
لکن القیمه الاستراتیجیه لتلک الضربات لم تکن فی عدد الأهداف وحده؛ بل فی أنها کسرت فکره أن التفوق الجوی والتقنی یمنح صاحبه حصانه مطلقه.
والیوم، بعد سنوات من تراکم الخبره، یعود الاسم فی سیاق مختلف: الصواریخ والمسیّرات والاستطلاع والتنسیق والتوقیت ضمن منظومه واحده.
من الدفاع إلى المبادره؛ ومن امتصاص الضربه إلى فرض کلفتها.
الضربه المرکبه.. حین یُستهدف جسد القوه لا رأسها فقط:
أعلن البیان الرسمی مصرع وإصابه المئات من المرتزقه، وتدمیر وإحراق عدد کبیر من المعسکرات والتحشیدات والمخازن والأسلحه والآلیات.
أما ما یتداول من تفاصیل إضافیه، ومنها أعداد محدده للقتلى السعودیین أو عملیات إجلاء بالمروحیات، فیبقى ضمن المعلومات المتداوله التی تحتاج إلى تحقق مستقل قبل اعتمادها نهائیاً.
لکن جوهر العملیه لا یحتاج إلى المبالغه: استهداف القوه البشریه واللوجستیه والمیکانیکیه معاً یعنی محاوله إرباک قدره الخصم على إعاده تنظیم نفسه ومواصله التصعید.
وهنا تصبح الضربه المرکبه أخطر من ضربه الموقع الواحد؛ لأنها لا تبحث فقط عن إیلام الخصم، بل عن تقلیص قدرته على استعاده المبادره.
الحصار بالحصار.. حین تتحول القوه إلى رساله سیاسیه:
العملیه لا تنفصل عن المعادله التی أعلنها البیان: «الحصار بالحصار».
وهذه العباره تختصر جوهر الرساله السیاسیه والعسکریه: أی تصعید جدید سیُقابل بکلفه، وأی تحشید سیُقرأ بوصفه هدفاً محتملاً، وأی محاوله لفرض شروط بالقوه ستواجه محاوله مقابله لرفع الکلفه على الطرف الآخر.
ومن هنا جاء التحذیر للمغرر بهم بمغادره المعسکرات، بالتوازی مع إعلان الجاهزیه لمواجهه أی تصعید.
إنها حرب على المبادره قبل أن تکون حرباً على المواقع.
الخاتمه: السؤال الذی تغیّر
قبل سنوات کان السؤال: هل یستطیع الیمن أن یصمد أمام آله الحرب؟
ثم تحول السؤال: هل یستطیع الیمن أن یرد؟
أما الیوم، فإن السؤال الأکثر إزعاجاً لغرف القرار هو:
هل تستطیع أی قوه أن تتحشد أمام الیمن وهی واثقه أن تحشیدها لن یُرى؟
هنا تکمن دلاله «توشکا».
فالصاروخ الذی ارتبط ذات یوم بباب المندب لم یعد مجرد ذکرى فی سجل الحرب؛ لقد أصبح رمزاً لمسارٍ أوسع: کسر الخوف، تراکم الخبره، اتساع بنک الأهداف، وانتقال المبادره من الدفاع إلى الردع.
ومن باب المندب إلى مأرب والودیعه، لا تتغیر الجغرافیا وحدها؛ بل تتغیر معادله القوه نفسها.
إنها لیست نهایه المعرکه، بل رساله افتتاحیه لفصل جدید:
حین تصبح عینک أسبق من صاروخک، وتوقیتک أسبق من تحشید خصمک، فإن المعرکه قد تُحسم استراتیجیاً قبل أن تبدأ میدانیاً.
﴿وَمَا رَمَیْتَ إِذْ رَمَیْتَ وَلَٰکِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾

