فی غزه، لم یعد الطفل یحتاج إلى صاروخ کی یُقلق الاحتلال؛ یکفیه ورقٌ وخیطٌ وعودٌ رقیق.
یا لها من مفارقه ساخره: کیانٌ یتباهى بالترسانه النوویه، والقبه الحدیدیه، والذکاء الاصطناعی، وأحدث منظومات الرصد، یستنفر قیادته السیاسیه والعسکریه أمام لعبه یصنعها طفل نازح بین الخیام والرکام!
القصه، فی ظاهرها، طائره ورقیه؛ أما فی عمقها فهی اختبار نفسی سقط فیه الاحتلال قبل أن تسقط الطائره.
فإذا کان الاحتلال یخشى الورقه، فماذا سیفعل حین یواجه الإراده؟
وإذا کانت طائره طفل تُربکه، فکیف سیواجه جیلاً کاملاً نشأ على أن المقاومه لیست سلاحاً فقط، بل حضور لا یُهزم؟
ورقهٌ تُربک القیاده:
کیف تحولت قطعه من الورق والخشب بأیدی أطفال غزه إلى کابوس یؤرق نتنیاهو وقیادته العسکریه؟
وکیف یستنفر کیانٌ مدجج بالسلاح لملاحقه لعبه یفترض أنها مساحه بریئه للتفریغ النفسی عن الأطفال؟
المفارقه الأکثر إحراجًا أن الجیش الإسرائیلی نفسه أقرّ – فی بیان رسمی نقلته «تایمز أوف إسرائیل» – بعدم العثور على أی مواد مشبوهه أو متفجرات فی الطائرات الأربع التی عُثر علیها قرب ناحل عوز، وأنها لم تشکل أی خطر على الجمهور، کما ذکر أنه لم یعثر على أی دلیل یثبت أنها أُرسلت عمدًا نحو الأراضی الإسرائیلیه.
ورغم هذا الاعتراف المدمر لهیبتهم، خرج القاده یهددون!
فقد قال نتنیاهو: «الطائرات الورقیه ستُعالج کعمل حربی، وسنضربها، ونضرب من یشغلها، ونضرب المکان الذی أُطلقت منه»، بینما أعلن کاتس: «البالون مثل الطائره الورقیه، والطائره الورقیه مثل الدرون، سواء حملت متفجرات أم لا».
عجبًا لکیانٍ یملک کل هذا السلاح، ثم ترتعد فرائص قیادته من خیط یربط لعبه طفل بالسماء!
یا لمهزله القوه حین تصبح رسمه طفل ملفًا أمنیًا!
حین تفقد البصیره العسکریه:
هنا لا تعود المشکله فی الطائره، بل فی العین التی تراها.
کیف أصبح الورق فی المخیله الأمنیه أثقل من الصواریخ؟
وکیف تحولت لعبه بلا محرک ولا متفجرات إلى «مسیره» فی خطاب وزیر دفاع؟
لقد صنعت صدمه السابع من أکتوبر عدسه أمنیه تکبّر المجهول؛ فکل جسم طائر أصبح احتمالًا، وکل احتمال أصبح تهدیدًا، وکل تهدید قابلًا لأن یتحول إلى ذریعه للتصعید.
ما أغرب هذا الشطط العسکری الذی یرسم من لعبه طفل تهدیدًا استراتیجیًا! عجبًا کیف یرى المحتل فی ضحکات الأطفال وفرحتهم بالتحلیق خبرًا عسکریًا یستوجب الرد!
من الورقه إلى التهدید بالإخلاء:
الأخطر أن الرد لم یتوقف عند السخریه، بل امتد إلى التهدید بالتصعید وإخلاء سکان من مناطق یُزعم أنها مواقع لإطلاق الطائرات والبالونات والمسیّرات.
ألیس هذا الرد المفرط، والتهدید بالإباده والإخلاء بسبب لعبه طفل، أشبه بـ جنون البقر السیاسی والعسکری؟
إنه یعکس إفلاسًا سلوکیًا وأخلاقیًا بعد صدمه ۷ أکتوبر، حیث یُفرغ الاحتلال أحقاده وعجزه فی ألعاب الأطفال، ویتوعد بتشرید الآلاف لمجرد خیط وورقه.
یا للحماقه والتوحش حین تصبح لعبه طفل مبررًا للتهدید بمربعات سکنیه کامله!
قانونیًا، فإن التهدید بالتهجیر الجماعی والعقاب الجماعی یثیر إشکالات خطیره بموجب القانون الدولی الإنسانی، ولا سیما أحکام اتفاقیه جنیف الرابعه المتعلقه بحظر العقاب الجماعی والنقل القسری للسکان. فکیف یُبرر تشرید المدنیین بسبب لعبه؟
سقوط أسطوره التکنولوجیا:
کان یُفترض أن تکون التکنولوجیا قادره على التمییز بین الخطر الحقیقی واللعبه.
أین ذهب الذکاء الاصطناعی ومنظومات الرصد والإنذار المبکر، أمام ذکاء طفل فلسطینی أحضر قصاصات ورق وخیوطًا من تحت الرکام؟
وأین انتهت کل هذه التکنولوجیا عندما أصبحت لعبه طفل تحتاج إلى اجتماع المجلس الوزاری المصغر ورفع حاله التأهب؟
ما أوهن التباهی التقنی حین تُربکه خیوط نایلون وأعواد خشبیه!
إن القضیه لیست عجز الرادار عن رؤیه الطائره؛ بل عجز المنظومه عن إنتاج الطمأنینه.
فالجیش الذی یرى الخطر فی أبسط الأشیاء یکشف أن أزمته نفسیه بقدر ما هی أمنیه.
الطفوله التی أصبحت هدفًا:
فی غزه، انعکس هذا الرعب على أصحاب اللعبه أنفسهم.
فی مشاهد مؤلمه، شوهد أطفال یمزقون طائراتهم الورقیه بأیدیهم، باکین، خوفًا من أن تصبح سببًا فی قصفهم. وقال الطفل محمد أحمد المعطی وهو یمزق طائرته:
«حتى یرضى نتنیاهو، حتى یرضى کاتس، حتى یرضى ترامب… یریدون حرماننا من الشیء الذی نحبه. أقسم أن قلبی یتکسر».
أیُّ انتصار هذا الذی یُبنى على تدمیر طفوله؟
إن الاحتلال لم یکتفِ بمحاصره الأرض؛ لقد وصل إلى محاوله محاصره الفرح نفسه.
ثمار طوفان الأقصى – الخوف من المجهول:
السابع من أکتوبر لم یکسر حاجزًا میدانیًا فحسب؛ بل ضرب فکره «السیطره المطلقه».
ومن هنا یمکن فهم الحساسیه تجاه کل ما یأتی من غزه. فالاحتلال لا یخشى الورقه بحجمها الحقیقی؛ إنه یخشى ما لا یعرفه خلفها.
وهنا تتجلى المفارقه: جیشٌ یوصف بأنه «لا یُقهر» یمتلک ترسانه هائله، لکنه یعیش هاجس المفاجأه إلى درجه أن لعبه طفل تستطیع أن تشغل الخطاب السیاسی والعسکری.
سبحان من جعل طائرات الأطفال مرآهً تکشف هشاشه الهیبه التی حاولوا تقدیمها کحقیقه مطلقه!
السنن الإلهیه:
وهنا یستوقفنا قوله تعالى:﴿سَنُلْقِی فِی قُلُوبِ الَّذِینَ کَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَکُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ یُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِینَ﴾ [آل عمران: ۱۵۱]
فی القراءه الإیمانیه، لا یُقاس الرعب بحجم الأداه، بل بأثره فی القلب.
وهنا یمکن النظر إلى المشهد بوصفه مصداقًا دالًا على أن القوه المادیه لا تضمن الطمأنینه، وأن الخوف حین یستقر فی النفوس قد یجعل أبسط الأشیاء تبدو تهدیدًا هائلًا.
الطائره الورقیه لیست صاروخًا، والورق لیس سلاحًا استراتیجیًا؛ لکن المفارقه أن الخوف الذی أحاط بها جعلها تبدو فی الخطاب الإسرائیلی أکبر من حقیقتها.
وهذه هی السخریه التی لا تحتاج إلى مبالغه: طفلٌ یرفع طائرته إلى السماء، وقیادهٌ ترفع مستوى التهدید.
لقد أرادوا إسقاط الطائره، فإذا بها تکشف شیئًا أعمق: أن الهیبه التی ترتبک أمام خیط وورقه لیست هیبهً مکتمله، وأن القوه التی تخاف من لعبه طفل تحمل داخلها خوفًا أکبر من حجم خصمها.
وفی غزه، حیث یحاول الاحتلال منع الطفل من التحلیق، تبقى الحقیقه الأکثر إیلامًا له:
قد تسقطون الورقه.. لکنکم لا تستطیعون إسقاط المعنى.
قد تحظرون اللعب.. لکنکم لا تستطیعون حظر الحلم.
وغدًا، عندما یکبر هؤلاء الأطفال، سیتذکرون أن طائراتهم الورقیه کانت أول هزیمه لهیبتکم، وأول خیط فی فک شوکه عسکرتکم.

