إنَّ من یستقرئ الأحداث التاریخیه بحصافه سیاسیه یجد أن الإمبراطوریات الاستعماریه وقوى الهیمنه والاستکبار العالمیه ترکّز جلَّ اهتمامها على الثروات الطبیعیه والمواقع الاستراتیجیه، بهدف السیطره علیها والاستئثار بها ظلمًا وعدوانًا.
وما یحدث فی الآونه الأخیره من المحاولات الامریکیه لبسط الهیمنه على طرق التجاره العالمیه والملاحه البحریه، وعسکره الممرات والمضائق الحیویه، کمضیق هرمز وباب المندب، لا یمکن فصله عن صراع النفوذ الدولی، ولا عن خدمه المشروع الصهیونی وتنفیذ أجنداته الاستعماریه فی المنطقه.
من «حارس الازدهار» إلى عسکره البحر الأحمر
وسوف ترکز قراءتنا على الجغرافیا الممتده بین جنوب البحر الأحمر ومضیق باب المندب، والتی تمر عبرها نسبه مهمه من حرکه التجاره العالمیه، لتصبح هذه المنطقه مسرحًا خطیرًا لواحد من أعقد المآزق الجیوسیاسیه فی الإقلیم.
فبین شعارات «تأمین الملاحه الدولیه» والواقع المیدانی المعقد، یتکشف مسار متصاعد لعسکره هذا الممر المائی عبر تحالفات دولیه وإقلیمیه متلاحقه؛ بدءًا من تحالف «حارس الازدهار» الذی قادته واشنطن، مرورًا بمهمه «أسبیدس» الأوروبیه، وصولًا إلى التحرکات السعودیه وإنشاء تحالف للأمن البحری متعدد الجنسیات بقیادتها وإدارتها.
وتسعى هذه التحرکات، وفق القراءه السیاسیه للمشهد، إلى فرض معادلات جدیده فی البحر الأحمر، فی مقدمتها خدمه المصالح الأمریکیه والإسرائیلیه، بعیدًا عن معالجه جذور الأزمه وأسبابها الحقیقیه.
البوارج فی مواجهه إراده الیمن: حین یفشل الردع العسکری
لقد أثبتت التطورات المیدانیه إخفاق المقاربات العسکریه التقلیدیه فی تحقیق الردع المنشود؛ إذ عجزت التحالفات السابقه، بما تمتلکه من قدرات عسکریه متطوره وحاملات طائرات وبوارج حربیه ومنظومات دفاعیه، عن تحقیق الحمایه الکامله للسفن المرتبطه بـ”إسرائیل” فی البحر الأحمر.
وفی المقابل، فرضت المواجهه الیمنیه معادله غیر متماثله، اعتمدت على الطائرات المسیّره والصواریخ البحریه وغیرها من الوسائل العسکریه، الأمر الذی حوّل مضیق باب المندب إلى بیئه استنزاف مکلفه للقوى البحریه الکبرى.
وهنا تکمن المفارقه: فالقوى التی دخلت البحر الأحمر تحت عنوان «حمایه الملاحه» وجدت نفسها أمام معادله میدانیه أکثر تعقیدًا مما توقعت، فی وقت ارتفعت فیه تکالیف التأمین البحری، واضطرت شرکات الملاحه إلى إعاده توجیه جزء من حرکه السفن بعیدًا عن البحر الأحمر، عبر طریق رأس الرجاء الصالح، بما یضیف أعباءً زمنیه ومالیه على حرکه التجاره الدولیه.
«الهروب الاستراتیجی إلى الأمام»… هل تتحول عسکره البحر إلى بدیل عن السلام؟
فی عمق هذه التحرکات، یبرز الدور السعودی فی إنشاء تحالفات دولیه وإقلیمیه تحت عنوان الأمن البحری، وهو ما یمکن قراءته، من منظور سیاسی، باعتباره نوعًا من «الهروب الاستراتیجی إلى الأمام».
فبدلًا من الترکیز على معالجه جذور الصراع الیمنی وتنفیذ الالتزامات المرتبطه بمسار السلام، یجری نقل جزء من المعرکه إلى المجال البحری، وتحویل أمن الملاحه إلى عنوان رئیسی للصراع، بما قد یساهم فی تأجیل الاستحقاقات السیاسیه والإنسانیه.
وفی مقدمه هذه الاستحقاقات تأتی القضایا المرتبطه بالوضع الإنسانی والمعیشی فی الیمن، وفی مقدمتها صرف مرتبات الموظفین، ورفع القیود عن الموانئ والمطارات، وتمکین الشعب الیمنی من الاستفاده من موارده وثرواته السیادیه.
ومن هنا، فإن تحویل البحر الأحمر إلى ساحه تحشید عسکری جدیده لا یعالج جذور الأزمه، بل قد یفتح الباب أمام مرحله أکثر تعقیدًا من التصعید، ویجعل أمن الملاحه ورقه جدیده فی الصراع السیاسی الإقلیمی.
الأمن البحری لا تصنعه البوارج
إن الإصرار على استبدال المعالجه السیاسیه لجذور الصراع بالاستعراضات العسکریه والتحالفات البحریه لن یحقق أمنًا مستدامًا للبحر الأحمر، بل قد یکرّس ارتهان المنطقه للتدخلات الخارجیه، ویزید من احتمالات التصعید واتساع رقعه المواجهه.
وتؤکد قراءه المشهد السیاسی والمیدانی أن الأمن البحری الحقیقی لا یُصنع عبر البوارج وتوسیع الانتشار العسکری والقواعد الأجنبیه، وإنما یبدأ من معالجه أسباب التوتر، واحترام سیاده الدول، والالتزام بالمسارات السیاسیه، ومعالجه الملفات الإنسانیه والاقتصادیه التی تمثل جوهر الأزمه.
فالبحر الأحمر لیس مجرد ممر مائی عابر، بل شریان استراتیجی للتجاره العالمیه، وأی محاوله لتحویله إلى ساحه صراع مفتوحه ستنعکس تکلفتها على المنطقه والعالم.
وعلیه، فإن الطریق الأقصر نحو أمن مستدام للملاحه الدولیه لا یمر عبر المزید من عسکره البحر الأحمر، وإنما عبر تسویه سیاسیه عادله، واحترام سیاده الیمن واستقلاله، ومعالجه أسباب الصراع، وإعاده الحقوق والاستحقاقات إلى مسارها الطبیعی.
فحین تُغلق أبواب الحلول السیاسیه، تتحول الممرات البحریه إلى ساحات للمواجهه؛ وحین تُفتح أبواب السلام الحقیقی، یصبح البحر الأحمر ممرًا للتجاره والتعاون، لا مسرحًا دائمًا للصراع والاستنزاف.

