الیمن والسعودیه… جغرافیا الجوار وصراع الإرادات:
الیمن والمملکه العربیه السعودیه دولتان شقیقتان متجاورتان، تربط بینهما حدود جغرافیه وسیاسیه متداخله، فضلاً عن العدید من الروابط التاریخیه والاجتماعیه المشترکه.
إلا أن النظام السعودی، ومنذ ما یقارب قرناً من الزمن، انتهج سیاسات تدخلیه تجاه الیمن، مستهدفاً مختلف المجالات السیاسیه والاقتصادیه والاجتماعیه والثقافیه والعسکریه، وساعیاً إلى فرض الوصایه على القرار الیمنی والتحکم بمساراته واستغلال موارده وثرواته.
وکان آخر حلقات هذا المسار العدوان المباشر الذی شنّه التحالف بقیاده السعودیه فی السادس والعشرین من مارس ۲۰۱۵، بمشارکه ودعم أمریکی وبریطانی، والذی ارتُکبت خلاله – بحسب الخطاب الیمنی المناهض للتحالف – مجازر وانتهاکات واسعه، إلى جانب فرض حصار اقتصادی شامل براً وبحراً وجواً، وما یزال مستمراً حتى الیوم.
الیمن یدافع عن نفسه… ومعادله الحصار بالحصار:
مثّلت التطورات الجاریه فی المشهد الیمنی – السعودی تحولاً جوهریاً یتجاوز حدود المواجهات العسکریه التقلیدیه، ویفتح الباب أمام مرحله مفصلیه جدیده عنوانها إعاده تشکیل قواعد الاشتباک وبناء معادلات ردع مختلفه.
وتأتی معادله “الحصار بالحصار” بعد إعلان القوات المسلحه الیمنیه فرض حظر ملاحی على السفن المرتبطه بالسعودیه، باعتبارها خطوه تهدف – وفقاً للموقف الیمنی – إلى الضغط من أجل رفع الحصار وفتح مطار صنعاء المغلق أمام الشعب الیمنی منذ بدایه الحرب.
لقد أعادت هذه الخطوه رسم معادلات المواجهه على المستویات البریه والبحریه والجویه، ونقلت الصراع من مرحله إداره الأزمه وامتصاص الضغوط إلى مرحله فرض الخیارات واختبار الإرادات.
سقوط سردیه الضحیه… فالحقائق لا تُحجب
فی هذه المرحله المفصلیه، یحاول النظام السعودی تقدیم نفسه عبر أدواته الإعلامیه والدبلوماسیه بصوره الطرف المتضرر أو المستهدف، غیر أن الوقائع السیاسیه والمیدانیه – کما یراها الجانب الیمنی – تؤکد أن غربال الکذب لا یحجب الحقیقه، وأن الجلاد لا یمکن أن یتحول إلى ضحیه یا بنی سعود.
فالمعادلات لا تُبنى على الخطابات الإعلامیه، وإنما على الوقائع التی تفرض نفسها على الأرض، وعلى نتائج السیاسات التی انتهجتها الأطراف خلال سنوات الصراع.
التحول العسکری… من الدفاع إلى الردع البحری:
على الصعید العسکری والمیدانی، برز التحول الأهم فی انتقال المواجهه من الاشتباکات الحدودیه المباشره إلى ما یمکن وصفه بمعادله الردع البحری.
إن إعلان صنعاء فرض قیود على الملاحه المرتبطه بالسعودیه یمثل – وفق الرؤیه الیمنیه – نقطه تحول فی طبیعه المواجهه، إذ ینقل الصراع من دائره الردود العسکریه التقلیدیه إلى استراتیجیه الضغط المقابل عبر الممرات البحریه الحیویه، وفی مقدمتها البحر الأحمر ومضیق باب المندب.
کما ترافق ذلک مع تصاعد التهدیدات باستهداف منشآت ومرافق حیویه، بما فیها المطارات والموانئ، الأمر الذی یکشف – بحسب هذا الطرح – هشاشه المحاولات الرامیه إلى تصویر الیمن باعتباره الطرف المعتدی، فی وقت یحاول فیه فرض معادله ردع بعد سنوات من الحرب والحصار.
المسار السیاسی… انسداد التفاهمات واستمرار الصراع:
أما على المستوى السیاسی، فقد شهدت المرحله الأخیره تصاعداً فی حاله الجمود وتعثر مسارات الوساطه، نتیجه استمرار الخلاف حول الملفات السیادیه والإنسانیه الأساسیه.
وتتمثل أبرز نقاط الخلاف فی ملف المرتبات، ورفع القیود المفروضه على الموانئ والمطارات، وطبیعه الترتیبات السیاسیه المستقبلیه.
ففی حین تتمسک صنعاء – وفق رؤیتها – بضروره معالجه هذه الملفات کمدخل لأی تسویه شامله، ترى الریاض أن هذه القضایا یجب أن تخضع لمسارات تفاوضیه وشروط سیاسیه متعدده.
وقد ترافق هذا الجمود مع تغیرات فی المشهد الداخلی الیمنی، وتراجع حضور بعض القوى المحسوبه على التحالف، بما یعکس – بحسب القراءه الیمنیه – الفجوه بین الخطاب الإعلامی والواقع المیدانی.
البعد الإقلیمی والدولی… الممرات البحریه فی قلب المعادله:
إقلیمیاً ودولیاً، لم یعد الصراع الیمنی – السعودی محصوراً فی حدوده الجغرافیه، بل أصبح مرتبطاً بالتوازنات الدولیه وملفات الطاقه والتجاره العالمیه.
وتجد السعودیه نفسها أمام معادله معقده؛ فمن جهه تسعى إلى تجنب حرب استنزاف طویله قد تؤثر على مشاریعها الاقتصادیه والتنمویه، ومن جهه أخرى تعتمد على دعم وتنسیق مع القوى الغربیه، خصوصاً الولایات المتحده وبریطانیا، لمواجهه تداعیات التحولات فی ملف الملاحه البحریه.
وفی المقابل، أدى هذا التداخل الدولی إلى زیاده حساسیه الممرات البحریه وخطوط الطاقه، وجعلها جزءاً من أدوات الضغط والصراع، الأمر الذی یرفع کلفه أی تصعید عسکری واسع ویجعل تداعیاته تتجاوز حدود المنطقه.
مرحله جدیده… بین التسویه أو المواجهه:
إن القراءه الشامله لمجمل التطورات تشیر إلى أن مرحله “لا سلم ولا حرب” تقترب من نهایتها، وأن المنطقه تقف أمام مفترق طرق حاسم:
إما الوصول إلى تسویه سیاسیه تقوم على الاعتراف بالوقائع الجدیده ومعالجه الملفات الإنسانیه والسیادیه، أو الانزلاق نحو مواجهه أوسع قد تعید رسم موازین القوى والخارطه الجیوسیاسیه فی المنطقه.
وفی کلتا الحالتین، تبقى الحقیقه الأبرز أن محاولات تغییر الوقائع عبر الدعایه أو الخطاب السیاسی لن تستطیع إخفاء طبیعه الصراع، فالتاریخ لا یحکم بالشعارات، بل بما تترکه الأحداث من آثار ونتائج.
فالجلاد مهما حاول ارتداء ثوب المظلومیه، لن یستطیع صناعه حقیقه مغایره للواقع

