وشدد سماحته فی رساله بمناسبه الیوم الوطنی لمقارعه الاستکبار العالمی، الموافق ۴ نوفمبر، على أن الشعب الإیرانی بات یعتبر جمیع الأیام والساعات أیام مواجهه وصمود فی وجه الولایات المتحده، مؤکدا أن السبیل الوحید لبلوغ الردع المطلق هو مواصله استراتیجیه «إیران الأقوى» وتعزیز الوحده والتماسک الوطنی.
وأشار إلى أن إداره إیران لمضیق هرمز وتدمیر القواعد العسکریه الأمریکیه فی دول المنطقه شکّلا ردا على العدوان الأمریکی، وفی الوقت نفسه جهادا ضد الاستکبار بأبعاد إقلیمیه، مؤکدا أن أی اعتداءات جدیده ستؤدی إلى اتساع نطاق المواجهه.
وفیما یلی النص الکامل للرساله:
بسم الله الرحمن الرحیم
الیوم هو الیوم الوطنی لمقارعه الاستکبار العالمی، وهو یوم یجمع فی طیّاته محطات مفصلیه من اصطفاف جبهه الحق فی مواجهه جبهه الباطل، وجبهه المظلوم فی مواجهه جبهه الظالم. ولعلّه یمکن القول إنّ الشعب الإیرانی، فی الثالث عشر من آبان (۴ تشرین الثانی / نوفمبر) من هذا العام، بات أکثر وضوحًا وشفافیهً من أیّ عام مضى فی تحدید موقفه إزاء أمریکا المجرمه. غیر أنّ استعراض جذور العداء الأمریکی المتصاعد وأسبابه ومحطاته المفصلیه، فی مقابل الاصطفاف الراسخ للشعب الإیرانی فی مواجهته، یشکّل منارهً تهدی الطریق فی المراحل المقبله من هذا المسار.
▪️تعود نقطه البدایه فی ظلم أمریکا للشعب الإیرانی إلى أکثر من سبعه عقود، حین دبّرت انقلاب «۲۸ مرداد» (۱۹/۰۸/۱۹۵۳)، بهدف مواصله نهب الثروات والموارد الوطنیه، ولا سیّما النفط. أمّا العقود التی تلت ذلک، وصولًا إلى انتصار الثوره الإسلامیه، فقد شکّلت أیضًا مرحلهً بذل فیها حکّام أمریکا جهودًا حثیثه لنهب ممتلکات الشعب الإیرانی وثرواته. وفی هذا السیاق، أسهموا فی تأسیس جهاز «السافاک»، وفرض أجواء أمنیه خانقه على المجتمع، بما أطلق ید حکومه الجور آنذاک ومکّنها من قمع کل تحرّک احتجاجی. وعشیه الانتصار المجید للثوره الإسلامیه، لجأوا أیضًا إلى مختلف الأسالیب والحِیَل للحفاظ على حکومتهم العمیله.
أمّا السلوک العدائی الذی انتهجوه فی مرحله ما بعد انتصار الثوره العظیمه للشعب الإیرانی، فیمکن أن نسرد قائمه طویلهً من ممارساتهم المعادیه للشعب، شملت دعم الجماعات الانفصالیه والانقلابیین والمنافقین ذوی الغشاوه الذین أقدموا، بوحشیه، على قتل أعدادٍ غفیرهٍ من المواطنین العادیین، إلى جانب النخب العلمیه والسیاسیه والاجتماعیه؛ وتقدیم الدعم المباشر والشامل لحزب البعث فی الحرب المفروضه الأولى؛ وإسقاط الطائره المدنیه وقتل رکّابها المدنیّین؛ وفرض أنواع الحظر الاقتصادی واسعه النطاق، طویله الأمد والشدیده؛ والتخطیط لأعمال الشغب والفتن المتعدّده ودعمها، بل وتوفیر السلاح لها؛ واغتیال الشهید القائد قاسم سلیمانی، البطل الوطنی الإیرانی ورمز الأمّه الإسلامیه؛ ونهب أموال الشعب الإیرانی وممتلکاته فی مختلف البلدان؛ وصولًا، فی نهایه المطاف، إلى العدوان العسکری المباشر فی الحربین المفروضتین الثانیه والثالثه، واستشهاد أعداد کبیره من النخب والعلماء والقاده، وحشود غفیره من أبناء الشعب الإیرانی المظلوم، من الرضّع والأطفال إلى کبار السنّ، وفی مقدّمتهم قائد الثوره الإسلامیه العظیم، قدّس الله نفسه الزکیّه.
▪️فی جمیع هذه المراحل، ظلّ القاده الأمریکیون المستکبرون وأذنابهم یسعون إلى فرض هیمنتهم وإخضاع إیران، حتى إنّهم فی أحدث فصول هذا التجبّر، تخلّوا عن جمیع الأعراف والمظاهر الدولیه الزائفه والمضلّله، وباتوا یسعون بوقاحه إلى تقسیم البلاد، وإرغام الشعب على الرکوع، وإسقاط النظام، والقضاء على الحضاره الإیرانیه العریقه والأصیله. غیر أنّهم کانوا فی کلّ مرحله یصطدمون بجدار الواقع المیدانی الصلب، وبصخور إراده الشعب الإیرانی الأبیّه، فتؤول حساباتهم الخاطئه وأوهامهم الاستکباریه إلى تکبید الشعب الأمریکی والحکومات العمیله للإداره الأمریکیه أثمانًا باهظه.
والیوم، بلغت حکایه العداء الأمریکی القدیم للشعب الإیرانی المسلم، والمقاومه الباسله التی أبداها الإیرانیون جمیعًا فی مواجهه هذا العدو، مرحلهً لم یعد فیها «۱۳ آبان» وحده یومًا للصمود ومقارعه الشیطان الأکبر، بل غدت جمیع الأیام والساعات أیامًا لذلک. وها هی ساحه الخلیج الفارسی، ولا سیّما مضیق هرمز، تکشف، إلى جانب دحض أسطوره أمریکا التی لا تُقهر، عن ضعف الحکومات التی لا تستند إلا إلى قوه غیر قوه شعوبها، وعن عجز القوى الکبرى وإخلاف وعودها فی الدفاع عن الحکومات العمیله لها.
▪️إنّ بسط إیران سیطرتها على مضیق هرمز، والقضاء على القواعد العسکریه الأمریکیه فی دول المنطقه، ومع أنّه کان ردّ فعل على العدوان الأمریکی وجرائمه فی الحرب المفروضه الثالثه، فإنّه یُعدّ فی الوقت نفسه جهادًا ابتدائیًا فی مواجهه الاستکبار على مستوى إقلیمی، وهو جهاد ستتّسع أبعاده إلى نطاق أوسع بکثیر إذا تکرّرت الاعتداءات. وإنّ مظهر الاقتدار هذا، إلى جانب وحده ساحات جبهه الحق، والملاحم التی تسطّرها جبهه المقاومه بفطنه واقتدار، من فلسطین ولبنان إلى العراق والیمن، یبشّر ببزوغ فجر مشرق یبعث على الأمل، لرفعه رایه جبهه الحق والتمهید لنظام عالمی جدید؛ ذلک أنّ جبهه الباطل، مهما بلغت من قوه وقدره، وأیًّا تکُن، لن تصمد أمام جبهه الحق متى تحلّت بالتوکّل والثبات والتضحیه، وسیکون التراجع والهزیمه مصیرها المحتوم، {إِنَّ الْبَاطِلَ کَانَ زَهُوقًا}.
بحمد الله، فقد نهل الشعب الإیرانی من تعالیم الإسلام المحمدی الأصیل (صلّى الله علیه وآله وسلم)، ومن معارف الثوره الإسلامیه، ومن نهج قائدیها الحکیمین، الإمام الخمینی الکبیر والإمام الخامنئی الشهید (أعلى الله مقامهما الشریف) دروسًا عظیمه وأتقنها، وقد تعمّق إیمانه یومًا بعد یوم بصوابیّه هذا النهج، مع تحقّق الوعود الإلهیه. الیوم، وبفعل الفضیحه التی جلبها المستکبرون على أنفسهم، تشهد قوه أمریکا وهیمنتها الآیلتان إلى الزوال سقوطًا لا رجعه فیه، على صعیدَی القوّه الصلبه العسکریه والقوه الناعمه الدولیه، کما تسارعت وتیره انهیارهما.
▪️إذا کان لا یزال هناک من یعقد أدنى أمل على تغییر سلوک نظام الهیمنه، أو على التبدّلات الحزبیه والجناحیه فیه، أو یتصوّر أنّه یستطیع، عبر تقدیم التنازلات لأمریکا، أن یثنیها عن عدائها للشعب الإیرانی، فهو مخطئ بشدّه. إنّ هذا التصوّر الباطل یمثّل جحودًا للفتوحات العظیمه التی حقّقها الشعب الإیرانی المسلم فی ظلّ التوکّل والثّبات والمجاهده. إنّ أمنیه الشیطان الأکبر هی استسلام الشعب الإیرانی استسلامًا غیر مشروط، وأدنى نزوع نحو الاستسلام للعدو المتسلّط کفیل بتبدید الرصید العظیم الذی تحقّق ببرکه دماء الشهداء وتضحیات أبناء الشعب جمیعًا، کما سیزید العدو المستکبر جرأهً على التمادی فی مطالبه، وشنّ الحروب اللاحقه، وارتکاب المزید من الانتهاکات.
إنّ السبیل الوحید لبلوغ عتبه الردع المطلق هو مواصله استراتیجیه «إیران القویّه أکثر فأکثر» فی مسار التقدّم الشامل؛ أمّا التماسک والوحده والتلاحم الاجتماعی، فهی الرکیزه الأساس للنجاح فی هذا المسار، وینبغی أن تکون حاکمهً لکلّ قول وفعل، فردیًّا کان أم اجتماعیًّا، یصدر عن الشعب والمسؤولین. وفی هذا السیاق، وکما أنّ دعم الشعب للمسؤولین أمر لا غنى عنه، فإنّ مواصله المسؤولین الارتقاء باهتمامهم بخدمه الناس خدمهً مضاعفه وجهادیه، وتعزیز صدقهم وإخلاصهم فی التعامل معهم، وتأمین سبل عیشهم وراحتهم ونموّهم المادی والمعنوی، وصون عزّتهم واستقلالهم، أمورٌ تحظى بأهمیّه أیضًا.
▪️إنّ الطلیعه التی ستتولّى بناء مستقبل إیران العزیزه المشرق والمجید هی شبابنا وطلابنا الجامعیون وتلامذتنا، الذین ینبغی لهم أن یواصلوا العمل على اقتحام ونسف الوکر المُظلم لـ«الیأس والإحباط والمستحیلات»، وفتح أبواب الدار المُشرقه لـ«الأمل ونحن قادرون». وتتطلّب هذه المهمه جدارهً استثنائیّهً، والتسلّح بمختلف أسلحه العلم والتقوى والمهاره والأخلاق والإراده، وبذل جهود استثنائیه، وعقد «العهد المشترک» لتحقیق الأهداف السامیه.
نأمل، بفضل الله ودعاء مولانا عجّل الله تعالى فرجه الشریف، أن ینعم الشعب الإیرانی، فی أقرب وقت، بالنصر والسعاده والتقدّم الشامل، وأن تتهیّأ الأسباب لتسارع أفول هیمنه الشیطان الأکبر واضمحلالها. {إِنَّهُمْ یَرَوْنَهُ بَعِیدًا وَنَرَاهُ قَرِیبًا}.
السیّد مجتبى الحسینی الخامنئی | ۰۴/۱۱/۲۰۲۶

