غیر أن تحولات المعرکه وتطوراتها، بدءاً من عملیات الإسناد لغزه، وصولاً إلى فرض معادله “الحصار بالحصار” فی مواجهه “النظام السعودی”، جعلت المستور مکشوفاً، لتطفو الحقائق على السطح، ویخرج التنسیق بین الطرفین من دائره التکهنات إلى فضاء أکثر وضوحاً، واضعاً المنطقه أمام مرحله استثنائیه من تاریخ الصراع.
من إسناد غزه إلى فرض معادله “الحصار بالحصار”
لم تکن المعادله البحریه التی فرضتها القوات المسلحه الیمنیه فی البحر الأحمر ومضیق باب المندب مجرد عملیات متفرقه لإسناد غزه، بل تحولت إلى عامل ضغط سیاسی وعسکری کشف عمق تقاطع المصالح بین النظام السعودی والکیان الصهیونی.
ومع اتساع رقعه المواجهه ودخولها مرحله التصعید العسکری والبحری المباشر، اتجه الطرفان إلى البحث عن مخارج تحمی مصالحهما المشترکه من تداعیات التحولات المیدانیه، فی ظل تصاعد القدره الیمنیه على التأثیر فی أحد أهم الممرات البحریه فی المنطقه.
وهنا بدأ «کابوس المندب» یتجاوز البعد البحری المباشر، لیصبح عنواناً لصراع أوسع على الجغرافیا والسیاده وممرات التجاره والطاقه.
عملیه “والله أشد بأساً وأشد تنکیلاً”.. تحول فی معادله المیدان
جاءت التطورات المیدانیه الأخیره، المتمثله فی عملیه «والله أشد بأساً وأشد تنکیلاً»، لتقلب المشهد رأساً على عقب، وفق ما یورده النص من معطیات میدانیه؛ إذ أفضت هذه الاستراتیجیه العسکریه إلى تحریر مدینه المخا والسهول والمناطق الحاکمه المطله على المضیق، وإحکام السیطره على مضیق باب المندب.
وبذلک لم تعد القضیه، وفق هذه الرؤیه، تقتصر على استهداف السفن الصهیونیه عن بُعد، بل انتقلت إلى مستوى أوسع یتعلق بالسیطره على الجغرافیا الحاکمه للممر البحری، وما یترتب علیها من تأثیر فی حرکه التجاره العالمیه.
وأمام هذا التحول، تراجعت حسابات السیطره التقلیدیه على السواحل والممرات، وبرز واقع میدانی جدید یفرض نفسه على مختلف الأطراف المعنیه بالبحر الأحمر وباب المندب.
کابوس المندب وتقاطع المصالح
شکّل إحکام السیطره على مضیق باب المندب والمناطق المطله علیه، بحسب المعطیات الوارده فی المقال، مصدر ضغط متزاید على الکیان الصهیونی والنظام السعودی معاً، وأبرز بصوره أوضح تقاطع المصالح بین الطرفین فی عدد من الملفات:
أولاً: تضاعف الخناق على الکیان الصهیونی
عقب شلل حرکه الملاحه فی میناء أم الرشراش «إیلات»، تعاظم أثر الحظر البحری عبر باب المندب، ما دفع تل أبیب إلى البحث عن بدائل إقلیمیه لتقلیل الخسائر الاقتصادیه واللوجستیه، والتعامل مع تصاعد القدره الیمنیه على التأثیر فی خطوط الملاحه.
ثانیاً: فشل السعودیه فی حمایه مصالحها الاقتصادیه
کان عجز النظام السعودی عن حمایه مصالحه الاقتصادیه من الضربات الیمنیه أحد العوامل التی عمّقت حاجته إلى التنسیق الأمنی والعسکری مع الأطراف الإقلیمیه والدولیه، فاستمرار استهداف المنشآت والمصالح الاقتصادیه، وما یرافقه من ضغوط على حرکه التجاره والطاقه والموانئ والمشاریع الساحلیه، وضع الریاض أمام تحدٍّ یتجاوز الحسابات العسکریه المباشره إلى صمیم رؤیتها الاقتصادیه المستقبلیه.
ومع انتقال التأثیر الیمنی من الجبهه البریه إلى المجال البحری، وتنامی أهمیه البحر الأحمر ومضیق باب المندب فی حرکه التجاره والمشاریع السعودیه، أصبح الحفاظ على المصالح الاقتصادیه مرتبطاً بصوره مباشره بأمن الممرات البحریه.
وفی ظل عجز السعودیه عن منع تداعیات الضربات الیمنیه بمفردها، برزت الحاجه إلى توسیع دوائر التنسیق الأمنی والاستخباری، بما یفسر جانباً من تقاطع المصالح بینها وبین الکیان الصهیونی.
وهکذا لم یعد «کابوس المندب» مقتصراً على تعطیل حرکه الملاحه، بل امتد أثره إلى الحسابات الاقتصادیه والاستثماریه، لیکشف أن حمایه المشاریع والمصالح الاقتصادیه أصبحت جزءاً من المعرکه على الجغرافیا البحریه والسیاده والنفوذ.
ثالثاً: حمایه المشاریع الساحلیه السعودیه
تواجه الریاض، وفق هذه الرؤیه، هواجس مرتبطه بتداعیات بسط السیطره الیمنیه على الساحل الجنوبی الغربی ومحیط المخا، وما یمکن أن یعنیه ذلک بالنسبه إلى المشاریع السعودیه الممتده على الساحل الشرقی للبحر الأحمر.
ومن هنا تتقاطع المصالح السعودیه مع الرغبه الإسرائیلیه فی الحد من تنامی النفوذ الیمنی على هذا الشریط الساحلی الاستراتیجی، خصوصاً مع ارتباط المنطقه بشبکه واسعه من المشاریع الاقتصادیه والموانئ والممرات البحریه.
الجسر البری والإسناد الاستخباری
أمام الضغوط البحریه والتحولات المیدانیه، لم یعد التنسیق بین الریاض وتل أبیب، وفق ما یطرحه المقال، محصوراً فی المواقف السیاسیه، بل اتجه إلى البحث عن أدوات عملیه للتعامل مع تداعیات إغلاق المسار البحری.
الجسر البری الإمدادی: تزاید الاعتماد على خطوط إمداد بریه تنطلق من الموانئ الخلیجیه، وتمر عبر الأراضی السعودیه والأردنیه، وصولاً إلى الأراضی المحتله، فی محاوله للالتفاف على القیود المفروضه على حرکه الملاحه عبر باب المندب.
التنسیق الاستخباری: برزت، فی هذا السیاق، أهمیه تبادل المعلومات المتعلقه بالحرکه البحریه والرصد والاستطلاع، إلى جانب التعاون الأمنی والاستخباری، فی محاوله لمواجهه الضغوط الناتجه عن العملیات الیمنیه وحمایه المصالح المشترکه.
المندب یکشف ما أخفته الطاوله
إن معرکه المخا وباب المندب، وفق المعطیات التی یستند إلیها المقال، لا تقف عند حدود التأثیر فی حرکه الملاحه أو إرباک الحسابات الإسرائیلیه والسعودیه، بل تکشف طبیعه الصراع على الجغرافیا البحریه وممرات التجاره والنفوذ الإقلیمی.
لقد أظهرت تطورات المعرکه أن السیطره على الممرات البحریه لا تُحسم بالقوه العسکریه وحدها، بل تتداخل فیها الجغرافیا والسیاده والقدره على فرض المعادلات المیدانیه، فضلاً عن المصالح الاقتصادیه والاستراتیجیه المرتبطه بها.
وهکذا أصبح «کابوس المندب» عنواناً لمرحله جدیده، انتقلت فیها المعرکه من محاوله إخفاء التحالفات والتنسیقات إلى انکشاف تقاطع المصالح أمام ضغط الواقع المیدانی.
وفی المحصله، تضع هذه التطورات مختلف الأطراف أمام حقیقه مرکزیه: أن الجغرافیا الیمنیه ومیاهها وممراتها البحریه باتت جزءاً أساسیاً من معادله الصراع، وأن أی محاوله لتجاوز السیاده الیمنیه ستظل رهینه بالمعادلات التی یفرضها المیدان.

