وتوجه بری فی کلمته إلى الحاضرین بالقول:
“إن الوحده لیست وحده الألوان والأسماء، ولا وحده تقوم على إلغاء الاختلاف، فالإسلام فی تاریخه وحضارته عرف التعدد فی الاجتهاد والمدارس والمذاهب، ولم یجعل من الاختلاف فی الرأی سببًا للعداء.
إن الوحده التی نحتاج إلیها هی أن نختلف دون أن نتقاتل، وأن نتعدد دون أن نتفرق، وأن نبحث عن المشترک الذی یجعل من تنوعنا قوه لا ذریعه للانقسام”.
وشدد بری على أن “أخطر ما یواجه العالم الإسلامی الیوم لیس أن تتعدد اجتهاداته، بل أن یتحول الاختلاف إلى قطیعه، والمذهب إلى عصبیه، والسیاسه إلى فتنه، والدین إلى أداه فی الصراع”، مضیفًا أن “مسؤولیه العلماء والمفکرین لیست فی أن یزیدوا جدران المسافه بین أبناء الأمه، بل فی أن یفتحوا نوافذ الحوار، وأن یعیدوا إلى الخطاب الدینی قدرته على الجمع، وإلى الثقافه قدرتها على بناء الجسور، وإلى السیاسه أخلاقها التی تمنع تحویل الاختلاف إلى اقتتال”.
وأکد بری قائلًا: “إننا بحاجه الیوم إلى فقه جدید للوحده، فقه یجعل حرمه الدم مصانه، وکرامه الإنسان محفوظه، والاختلاف حقًا، والحوار واجبًا، والتکفیر محرمًا، والفتنه عدوًا مشترکًا، نحتاج إلى وحده لا تخاف من التنوع، وإلى إیمان لا یحتاج إلى کراهیه الآخر کی یثبت ذاته”.
واستطرد بری: “حین نتحدث عن الوحده الإسلامیه فی فکر (الشهید) سماحه السید علی الخامنئی، فإننا لا نتحدث عن فکره هامشیه فی مشروعه الفکری، ولا عن موقف ظرفی فرضته التحولات السیاسیه، إنما نتحدث عن مبدأ أصیل ورؤیه متکامله للأمه ومستقبلها وموقعها فی العالم، ولکی تتحقق هذه الوحده، یرى الإمام الشهید أن الأمه یجب أن ترکز جهودها على مواجهه المخاطر التی تهدد کیانها، فی جبهه مواجهه الفکر التکفیری فی الداخل، وجبهه التصدی للمشروع الصهیونی- الاستکباری فی الخارج”.
وأضاف: “وعندما نتحدث عن دور العلماء فی تثبیت دعائم الوحده فی هذا المؤتمر المبارک، لا بد لنا من أن نستحضر بکل إجلال وإکبار سیره ذلک العالم الجلیل والمصلح الاستثنائی والمفکر الفقیه الإسلامی، العلامه المغیب السید موسى الصدر. لقد آمن الإمام السید موسى الصدر بأن المذاهب الإسلامیه هی نوافذ غنى، ولیست خنادق صراع، فکان سباقًا فی مد الجسور، ونادى بکلمته التاریخیه الخالده التی لخصت جوهر حرکته فی حرکه المحرومین حرکه أمل: “اجتمعنا من أجل الإنسان الذی کانت من أجله الأدیان، وإن الأدیان واحده فی البدء والهدف والمسار، وعندما التفتت إلى خدمه الإنسان تلاقت والتمت””.
ولفت بری إلى أن “التجلی العملی الأبرز والهدف الأسمى لجهود القاده والمصلحین، من الإمام الصدر إلى الإمام الخامنئی، هو نصره المستضعفین ومواجهه آله القتل الصهیونیه، فالقدس وفلسطین لیستا قضیه جغرافیه لشعب واجه الظلم بمفرده، بل هی اختبار لضمیر الأمه وإسلامها، والیوم، نرى هذا الفکر یتجسد واقعًا حیًا فی الملحمه الأسطوریه التی تسطرها غزه، والصلابه التاریخیه التی یواجه بها لبنان العدوان “الإسرائیلی” الغاشم، ولم تقف أطماع هذا الحلف الشیطانی عند غزه وبیروت، بل امتدت ید العدوان “الأمیرکی – الإسرائیلی” إلى قلب الجمهوریه الإسلامیه فی إیران، فی محاوله بائسه لکسر حلقه الوحده وعمودها الفقری المستند إلى خیار المقاومه”.
وأوضح أن “هذا الاستهداف المباشر لطهران، والذی ارتقى فیه الإمام الراحل الشهید السید علی الخامنئی شهیدًا فی عمله بـ”مقر القیاده” إثر قصف “أمیرکی – إسرائیلی” غاشم، جاء لیؤکد أن إیران لم تکن یومًا تدیر معرکه بالوکاله، بل کانت وما زالت فی قلب المعرکه، تدفع أثمان تمسکها ببوصله الوحده والدفاع عن قضایا الأمه المستضعفه”.
وأردف بری: “لقد آن الأوان لأن ننتقل من مؤتمرات الوحده إلى صناعه الوحده، ومن الحدیث عن التقارب إلى مؤسسات التقارب، ومن بیانات التضامن إلى مشاریع التعاون، ومن إداره الخلاف إلى حسن إداره الاختلاف، فلا یکفی أن نلتقی لنتحدث عن الوحده، بل یجب أن نخرج من هذا اللقاء بخطوات تجعل الوحده ممارسه یومیه فی التعلیم والإعلام والثقافه والمؤسسات الدینیه والاجتماعیه، ولعل أهم ما یمکن أن نفعله هو أن نربی جیلاً جدیدًا لا یرث الکراهیه، ولا یتعلم أن أخاه المختلف عنه هو عدوه، فلنعلم أبناءنا أن المذاهب الإسلامیه أبواب متعدده إلى فضاء حضاری واحد، وأن اختلاف الاجتهاد لا یفسد أخوّه الإیمان، وأن الأمه التی تجمعها القبله والکتاب والرسول والقیم الکبرى لا یجوز أن تفرقها أمور أخرى”.
ورأى أن “الوحده الإسلامیه لیست حلمًا مستحیلاً، لکنها تحتاج إلى شجاعه: شجاعه الاعتراف بأننا أخطأنا حین جعلنا بعض خلافاتنا أکبر من قضایانا الکبرى، وشجاعه تجاوز الحساسیات، وشجاعه الإصغاء إلى الآخر، وشجاعه تقدیم المصلحه العامه على الحسابات الضیقه”، مشیرًا إلى أن “الوحده الإسلامیه لیست مسؤولیه عالم دون آخر، ولا مذهب دون مذهب، ولا دوله دون دوله؛ إنها مسؤولیه کل من یؤمن بأن قوه الأمه فی اجتماعها، وأن کرامتها فی تضامنها، وأن مستقبلها فی قدرتها على تحویل التنوع إلى ثراء، والاختلاف إلى حوار، والإیمان إلى عمل، فلنجعل من وحدتنا وعدًا للأجیال القادمه، ومن اختلافنا جسرًا لا جدارًا، ومن إسلامنا رحمه تمتد إلى الإنسان”.
وختم رئیس مجلس النواب رسالته بالدعاء: “اللهم ارحم الشهید السید علی الخامنئی، وارفع درجته فی علیین، واجزه عن جهاده وصبره وثباته خیر الجزاء، اللهم سدد للسید مجتبى الخامنئی، وألهمه الحکمه والبصیره، وثبت خطاه على ما تحب وترضى، اللهم احفظ الجمهوریه الإسلامیه فی إیران وشعبها، وارزقهم الأمن والعزه والاستقرار والازدهار، اللهم اجمع قلوب المسلمین على الخیر، ووحد کلمتهم على الحق، واحفظ أوطانهم، واجعل من اختلافهم سعه، ومن تنوعهم قوه، ومن وحدتهم طریقًا إلى نهضه تلیق بأمتهم”.المصدر: العهد

