تتسارع المؤشرات الدبلوماسیه فی المنطقه على نحو یفتح الباب أمام تساؤلات استراتیجیه تتجاوز حدود اللقاءات البروتوکولیه، لتلامس احتمالات إعاده رسم التوازنات الإقلیمیه، وبناء تفاهمات جدیده فی الأمن والسیاسه والطاقه. فهل نحن أمام تحوّل فی مقاربه دول المنطقه لأمنها ومصالحها، أم أن ما یجری لا یزال فی إطار تقاطع المصالح والرسائل المتبادله بین القوى الفاعله؟
إن اجتماع ما یُعرف بـ«حلف مکه» مع إیران فی طهران، أمس، یطرح تساؤلات جوهریه حول طبیعه هذا اللقاء وأهدافه، وما إذا کان یمهّد لتأسیس مظلّه أمنیه إقلیمیه جدیده، تقوم على الحوار والتفاهم بین دول المنطقه، بدلاً من إبقاء أمنها رهینه الحسابات الخارجیه.
وتکتسب هذه التحرکات أهمیه إضافیه مع وصول وفد قطری رفیع المستوى إلى طهران الیوم، بالتزامن مع وجود الرئیس الإیرانی والأمیر القطری فی موسکو، فی مشهد تتقاطع فیه ملفات الأمن والطاقه والسیاسه، وتبرز فیه تساؤلات حول ما إذا کانت هذه اللقاءات أجزاءً من مسار إقلیمی أوسع، أم أنها تحرّکات متوازیه تفرضها مصالح کل دوله وحساباتها.
من أمن المنطقه إلى معادله الطاقه.. هل یجری التحضیر لتفاهمات أوسع؟
لا یمکن قراءه هذه التحرکات بمعزل عن التحدیات التی تواجه أسواق الطاقه العالمیه، وعن المصالح المتشابکه لکل من روسیا والولایات المتحده ودول المنطقه. فملف الطاقه لم یعد مجرد مسأله اقتصادیه، بل بات جزءاً من معادلات النفوذ السیاسی والأمنی، وعنصراً مؤثراً فی مسارات التفاوض والتسویات الدولیه.
من هنا، یبرز السؤال حول احتمال وجود تفاهمات أوسع تربط بین أمن المنطقه ومصالح الطاقه والتفاهمات السیاسیه، وصولاً إلى البحث فی الظروف التی قد تسمح بتنفیذ اتفاق إسلام آباد بکامل بنوده.
لکن الأهم هو تحدید طبیعه العلاقه بین هذه الملفات: هل یجری العمل على تسویه متکامله تتداخل فیها المصالح الأمنیه والاقتصادیه، أم أن تزامن التحرکات یعکس تقاطعاً فی الحسابات من دون وجود اتفاق شامل حتى الآن؟
المسأله الأساسیه لا تتعلق بمجرد عقد اجتماعات أو تبادل رسائل دبلوماسیه، بل بإمکانیه الانتقال إلى صیغه إقلیمیه جدیده تعترف بأن أمن المنطقه لا یمکن أن یتحقق عبر استبعاد أی قوه أساسیه فیها، أو التعامل مع مصالحها باعتبارها عاملاً یمکن تجاوزه.
وفی هذا السیاق، یبرز دور إیران بوصفها طرفاً إقلیمیاً مؤثراً، وما إذا کانت المرحله المقبله ستشهد انتقالاً من إداره التنافس إلى بناء تفاهمات أمنیه وسیاسیه تستند إلى المصالح المتبادله، وتحدّ من احتمالات المواجهه المفتوحه.
فأی منظومه أمنیه إقلیمیه قابله للاستمرار تحتاج إلى مشارکه الأطراف المعنیه، وإلى قواعد واضحه تحکم العلاقات بینها، بما یضمن احترام السیاده وتبادل المصالح، ویحدّ من استخدام أراضی المنطقه ساحهً لتصفیه الحسابات الدولیه.
ومن هنا أیضاً، یبرز احتمال انضمام مصر إلى أی إطار إقلیمی من هذا النوع، فی حال توافرت الظروف السیاسیه والأمنیه المناسبه.. غیر أن هذا الاحتمال یبقى مرتبطاً بطبیعه المشروع المطروح، ومدى توافق الدول المعنیه على آلیات اتخاذ القرار وحدود الالتزامات المتبادله.
إن التحدی الحقیقی لا یکمن فی جمع الدول حول طاوله واحده، بل فی تحویل هذا اللقاء إلى مسار مستدام، قادر على إداره الخلافات ومنع انتقالها إلى مواجهات، من دون أن یتحول التعاون الإقلیمی إلى تحالف مغلق فی مواجهه أطراف أخرى.
یبقى السؤال الأکثر حساسیه: إلى أی مدى تستطیع دول المنطقه بناء تفاهمات أمنیه مستقله عن حسابات القوى الکبرى، فی ظل استمرار التأثیر الأمیرکی فی خیارات عدد من الدول العربیه، والتشابک القائم بین المصالح الإقلیمیه والاستراتیجیه الأمیرکیه؟
فالمشکله لا تتمثل فقط فی طبیعه العلاقات بین الدول، بل فی قدره کل طرف على اتخاذ قراره وفق مصالحه الوطنیه، بعیداً عن الضغوط التی قد تفرضها التحولات فی السیاسات الدولیه أو تبدّل أولویات واشنطن.
وفی المقابل، لا یمکن تجاهل الحسابات “الإسرائیلیه”، ولا التساؤل عن کیفیه تعاطی تل أبیب مع أی تقارب إقلیمی قد یحدّ من قدرتها على التأثیر فی مسارات المنطقه أو یفرض معادلات جدیده للأمن والتعاون.
لکن حجم تأثیر هذه العوامل سیبقى مرتبطاً بطبیعه التفاهمات التی قد تنشأ، ومدى قدره الأطراف المعنیه على حمایه مصالحها المشترکه، وتجاوز الخلافات التی یمکن أن تستغلها القوى الخارجیه لإعاقه أی مسار تقاربی.
ویضاف إلى ذلک التوقیت السیاسی والانتخابی فی الولایات المتحده وکیان “إسرائیل”، وما قد یحمله من تبدلات فی الأولویات والحسابات. فهل تنجح الأطراف المعنیه فی استثمار اللحظه الراهنه لترجمه الاتصالات إلى تفاهمات عملیه، أم أن الحسابات الداخلیه والضغوط الخارجیه ستبقی هذه التحرکات ضمن حدودها الدبلوماسیه؟
إن تزامن هذه التحرکات یفتح الباب أمام احتمال تشکّل مسار إقلیمی جدید، لکن التعامل مع هذا الاحتمال یتطلب التمییز بین المؤشرات السیاسیه والوقائع المثبته. فلیس کل لقاء مقدمه لاتفاق، ولیس کل تقاطع فی المصالح دلیلاً على وجود مشروع موحّد، إلا أن تراکم الاتصالات بین أطراف متعدده یطرح تساؤلات جدیه حول الاتجاه الذی تسلکه العلاقات الإقلیمیه.
والأهم أن أی تحوّل حقیقی لن یُقاس بعدد الاجتماعات أو بمستوى التمثیل الدبلوماسی وحده، بل بما یمکن أن ینتج منها من تفاهمات واضحه، وآلیات تنفیذ، وضمانات تمنع انهیارها عند أول اختبار سیاسی أو أمنی.
ومن هذا المنطلق، فإن بناء منظومه أمنیه إقلیمیه أکثر استقلالاً یبقى احتمالاً مرتبطاً بإراده الدول المعنیه، وقدرتها على التوفیق بین مصالحها، وتحدید أولویات مشترکه تتقدم فیها حمایه الاستقرار على حسابات المواجهه المفتوحه.
إن السؤال الذی تطرحه التحرکات الممتده من طهران إلى موسکو یتجاوز احتمال ولاده مظلّه أمنیه جدیده؛ إنه یتعلق بمستقبل القرار الإقلیمی نفسه.
فهل تتجه دول المنطقه نحو صیغه تدیر فیها خلافاتها بنفسها، وتبنی علاقاتها على المصالح المتبادله، أم تبقى رهینه التوازنات الخارجیه التی تجعل أمنها مرتبطاً بمسارات الصراع الدولی؟
إذا کانت هذه الاتصالات تمهّد بالفعل لتفاهمات أوسع، فإن الاختبار الحقیقی سیکون فی ترجمتها إلى خطوات ملموسه تحمی سیاده الدول، وتحدّ من احتمالات الحرب، وتمنح المنطقه قدره أکبر على تقریر مصیرها. أما إذا بقیت ضمن إطار تبادل الرسائل وتنسیق المصالح الآنیه، فستظل احتمالات التحوّل الاستراتیجی مفتوحه من دون أن تتحول إلى واقع.
فی نهایه المطاف، لا تُبنى المظلّات الأمنیه بالشعارات ولا بالتمنیات، بل بتوازن المصالح ووضوح الالتزامات والقدره على اتخاذ القرار. وبین طهران وموسکو، تبقى الأنظار معلّقه على ما إذا کانت هذه التحرکات ستؤسس لمسار إقلیمی جدید، تکون فیه دول المنطقه شریکه فی صناعه أمنها، لا مجرد أطراف تتلقى نتائج القرارات التی تُصنع خارج حدودها.

