بین النعوش، حضرت قصص عائلات انتظرت طویلاً أن تستعید جثامین أبنائها، حیث تجمّع فلسطینیون فی حی الزیتون بمدینه غزه لتشییع الجثامین والرفات التی تمکنت طواقم الدفاع المدنی من انتشالها خلال عملیات البحث فی مناطق تعرضت لدمار واسع.
ووفق معطیات محلیه، فإن نحو ۷۰ من الشهداء الذین جرى تشییعهم أطفال، فی مشهد یعکس جانباً من الثمن الإنسانی الذی خلفته الحرب على القطاع.
ولم تکن عملیه الوصول إلى الجثامین سهله، فقد بقی الشهداء مدفونین تحت طبقات من الرکام منذ استهداف منازلهم، فی وقت حالت فیه صعوبه الوصول إلى المناطق المدمره ونقص المعدات والآلیات الثقیله دون انتشالهم فی حینه.
ومع مرور الوقت، تحولت أنقاض المنازل إلى مقابر مفتوحه تنتظر فرق الإنقاذ للوصول إلیها.
جثامین تعود من تحت الرکام
وتزامنت مراسم التشییع مع استمرار عملیات البحث عن الضحایا المدفونین تحت الأنقاض فی مناطق مختلفه من القطاع.
وأعلن الدفاع المدنی فی غزه، أمس السبت، بدء مشروع واسع لانتشال الجثامین من المبانی المدمره، بدء من “برج المهندسین” فی مخیم النصیرات، الذی استُهدف فی الثانی من نوفمبر/تشرین الثانی ۲۰۲۳.
وقال المتحدث باسم الدفاع المدنی محمود بصل إن المبنى المؤلف من سته طوابق کان یقطنه أکثر من ۳۵۰ شخصاً، مشیراً إلى أن عملیات الانتشال منه شملت نحو ۱۵۰ جثماناً فی مرحله سابقه، فیما بدأت الطواقم العمل على انتشال أکثر من ۱۵۰ جثماناً آخر من تحت أنقاضه.
ولا تبدو قصه هذا المبنى استثناء فی غزه، فالدفاع المدنی یقدّر وجود أکثر من ۸ آلاف جثمان لا تزال تحت أنقاض المبانی المدمره فی أنحاء القطاع، فی وقت تفتقر فیه فرق الإنقاذ إلى المعدات والآلیات اللازمه للتعامل مع حجم الدمار الهائل.
ویعنی ذلک أن انتهاء القصف أو توقف المعارک لا یعنی بالضروره انتهاء رحله البحث عن الشهداء بالنسبه إلى عائلاتهم؛ فبالنسبه لآلاف الأسر، ما زالت الحرب مستمره فی صوره انتظار جثمان أو العثور على أثر یقود إلى مفقود.
وتکشف البیانات الرسمیه لوزاره الصحه فی غزه أن عملیات انتشال الجثامین لا تزال تضیف شهداء جدد إلى الحصیله الإجمالیه للحرب.
ففی أحدث إحصائیه، أعلنت الوزاره وصول ۱۷ شهیداً إلى مستشفیات القطاع خلال ۴۸ ساعه، بینهم ۱۱ شهیداً جرى انتشالهم من تحت الأنقاض، إضافه إلى ۲۷ مصاباً، وبذلک ارتفعت حصیله الشهداء منذ بدء الحرب فی ۷ أکتوبر/تشرین الأول ۲۰۲۳ إلى ۷۳,۶۵۱ شهیداً، فیما بلغ عدد المصابین ۱۷۴,۵۷۵.
وأوضحت وزاره الصحه أن الحصیله شملت أیضاً إضافه ۱۶۰ شهیداً إلى السجل التراکمی بعد استکمال بیاناتهم واعتمادها خلال شهر أغسطس الماضی، فی مؤشر آخر على أن أرقام ضحایا الحرب الإجرامیه على غزه لم تستقر حتى بعد مرور سنوات على بدء الحرب.
ومنذ وقف إطلاق النار فی ۱۱ أکتوبر/تشرین الأول الماضی، بلغ عدد الشهداء الذین وصلوا إلى المستشفیات ۱,۳۴۴ شهیداً، فیما سجلت الوزاره ۴,۴۶۴ إصابه، إضافه إلى انتشال ۸۱۵ جثماناً خلال الفتره نفسها.
انتظار طویل
بالنسبه إلى عائلات الشهداء الذین وُوریت جثامینهم الیوم، لا یمثل الدفن نهایه الحکایه بقدر ما هو استعاده متأخره لحق حُرموا منه طویلاً وهو أن یعرفوا مصیر أبنائهم، وأن تکون لهم جنازه وقبر یمکن زیارته.وخلال الأشهر الماضیه، شهد القطاع عملیات تشییع جماعیه لجثامین انتُشلت من تحت الرکام بعد أشهر أو سنوات من بقائها مدفونه تحت المبانی المدمره.
ففی أغسطس الماضی، شیّع الفلسطینیون رفات ۱۱۲ شهیداً من عائلتی الحساینه وأبو شریعه، بعد عملیات بحث وانتشال استمرت ۱۳۶ ساعه.
وهکذا، لا تکشف مشاهد التشییع الجماعی فی غزه عن حجم الخساره البشریه فحسب، بل تکشف أیضاً عن طبقه أخرى من المأساه، آلاف العائلات التی لم تحصل بعد على فرصه لدفن موتاها، وآلاف الجثامین التی ما زالت تنتظر من یصل إلیها تحت أطنان الرکام.
فی غزه، لا یزال الشهداء یعودون من بین الأنقاض واحداً تلو الآخر، بینما تواصل عائلات أخرى الانتظار، على أمل أن تنتهی یوماً رحله البحث عن أحبائها، وأن یتحول الغیاب الطویل إلى قبر یحمل اسماً، بعدما ظل صاحبه سنوات بلا مکان معلوم.المصدر: المرکز الفلسطینی للإعلام

